الهجرة النبوية بفهم جديد

نخلد اليوم الذكرى 1439 لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وهي ذكرى حدث عظيم في تاريخ الفكر البشري عموما وفي تاريخ الدعوة الإسلامية على​ وجه الخصوص، نظرا لما يحمل في طياته من معاني الصبر والاصطبار على أعباء الدعوة والتضحية بالمال والمتاع والعشيرة والوطن في سبيل نجاحها واستمراريتها.
كما أن واقعة الهجرة إنما جاءت لغرض تحقيق مقاصد وحكم عظيمة  كانت السبب المباشر في تبوإ المسلمين الصدارة الحضارية والإنسانية في العالم.

وللأسف الشديد، فالدارسون للسيرة النبوية قد غفلوا دراسة حدث الهجرة من جوانبه الاستراتيجية، واقتصروا على تقديم فهم وحيد للهجرة، وكأنهم يصورون للأجيال المتلاحقة  أن النبي عليه السلام إنما هاجر قصد النجاة بجلده والفرار بحياته!!!

إن الناظر في واقعة الهجرة نظر مدقق مفحص في تفاصيلها وجزئياتها، لا سيما ما تبعها من أحداث ووقائع، يمكنه استخلاص مجموعة من المقاصد العظيمة التي لأجل تحقيقها أذن الله لنبيه بالهجرة، ومن بين أعظم هاته المقاصد:

1)- البحث عن فضاء أرحب وأوسع لاستئناف المسير في طريق الدعوة، فضاء تتوفر فيه شروط السلامة والأمن والاستقرار.
ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضاقت به الأرض بما رحبت  في مكة جراء جور أهلها وعدوانهم المستمر على المسلمين وعلى دعوته، أخذ يبحث عن ملجإ يأوي إليه مع أصحابه، ويضمن فيه الاستمرارية لدعوته.
وكان من فضل الله عليه أن هيأ له بعض الأتباع من أهل المدينة، الذين كان  يلقاهم خفية في موسم الحج، وقد انتهى بهم الأمر إلى الدخول في الإسلام ومبايعته بالعقبة.

وبعد أن شدد أهل مكة الأذى بالمسلمين، أذن النبي لأصحابه بالهجرة ، وعندما بلغ الخبر صناديد قريش زاد حنقهم عليه وأصبحوا لا يرضون بغير دمه بديلا، فخططوا لاغتياله ولكن الله منعهم منه.
فجاءه الإذن الإلهي بالهجرة من مكة بعد أن لبث فيها ثلاث عشرة سنة يدعو أهلها إلى توحيد الله وعبادته، فاصطحب معه صاحبه الصديق للهجرة في طريق الصحراء الطويلة والمظنية.
ولم يقف كفار  قريش عند هذا الحد، فقد بعثوا فرسانهم في أثره، وجعلوا لمن يأتي به حيا أو ميتا منحة مالية وفيرة، ولكن  الله نجاه من كيدهم.

وعند وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة  استقبله أهلها _الذين ظلوا يرقبونه  لأيام_ بحفاوة وسرور وحبور.
وفور وصوله قام باستثباب دعوته هناك حتى قويت وانتشرت، واستطاع أن يستنبت بذرة الإسلام في أرض المدينة الخصبة.

وهكذا، فبفعل تفكيره الاستراتيجي  استطاع النبي صلى الله عليه وسلم إنقاذ دعوته من الطمس والسحق والوأد، وحطم أطواق الحصار الذي فرض عليه، وأنجى نفسه وأصحابه من هلاك محقق.

2)- إقامة الدولة بالمدينة(أ)، إذا كانت دعوة النبي عليه السلام بمكة قد اقتصرت على الاهتمام بالأمور العقدية والأخلاقية، فإنها بالمدينة قد أخذت طابعا جديدا، ولم تولي الاهتمام الكثير لهاته الأمور، لأن الإيمان حينها كان قد وقر في قلوب الأنصار بسبب دعوة النبي الأولى لهم بمكة، وبسبب جهد رسوليه مصعب بن عمير وابن أم مكتوم الذين ذهبا إلى المدينة ليعلما أهلها أحكام الدين.

بعد إقامته بالمدينة لعدة شهور  بدأ بوضع اللبنات الأساسية لبناء مسجده الكبير (وكان قد بنى قبله مسجدان)، الذي يعتبر بمثابة أول مؤسسة دينية واجتماعية بالعاصمة  الجديدة لدولته. ” والحقيقة أن المسجد عندما تم بناؤه أخذت الأمة الإسلامية صورتها القانونية والدستورية بالتعبير المعاصر، خصوصا عندما تم تحرير القطعة الأولى من الصحيفة التي كتبها الرسول عليه السلام للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ومن تبعهم وجاهد معهم من اليهود، والمادة الأولى من ذلك الدستور تعتبر الميلاد القانوني الدستوري لأمة الإسلام، وتتضمن العناصر الأساسية لحقوق المواطنين وواجباتهم ” (ب).

وخلاصة القول فإن المسجد النبوي حينها كان المركز الروحي والفكري والسياسي والاقتصادي للأمة الإسلامية، ففيه كان المسلمون يؤدون شعائر دينهم، وفيه يجتمعون ويتشاورون، وفيه كانوا يتعلمون ويتحاكمون، ومنه  خرجت القرارات المصيرية للدولة، وفيه كانت إقامة النبي(رئيس الدولة) مع أزواجه، ومنه كانت تنطلق الجيوش الإسلامية للفتح والغزو، وبالإضافة إلى هذا فقد أدى المسجد النبوي وظيفة اجتماعية، حيث كان ملجأ لأهل الصفة، ومأوى لعابري السبيل. وهذا يدل على أهمية مؤسسة المسجد في دولة الإسلام حينها.

ركز التشريع في العهد المدني على استمرار الاهتمام بالعبادات وإعطاء الأولويةللتشريع في مجال المعاملات، فقد نزل الوحي الإلهي بحزمة من التشريعات على مراحل متعددة مست الجانب المالي والتجاري والمدني والأسري والجنائي، وكذا قانون الالتزامات والعقود، وقانون السلم والحرب، والقانون الذي ينظم علاقة المسلمين بغيرهم.
وبتشريع هاته القوانين اكتملت الصورة القانونية والدستورية للدولة الإسلامية، وأصبح الإسلام يسري في حياة الناس ويتغلغل في أعماقها ويصلح أحوالها وينظم شؤونها.

3)- بناء الحضارة الإسلامية، لقد تحققت بالمدينة المنورة الشروط الموضوعية لبناء الحضارة، من مركب ديني لا مثيل له في تاريخ الديانات، وإنسان  اكتمل بناؤه  بفعل نقاء الطبع وصفاء السجية وسلامة الفطرة، كما توافر شرطا التراب والوقت.
وبفعل هاته المقومات استطاع أهل المدينة  القيام من تحت أنقاض التخلف ونفضوا عنهم غبار حياة الصحراء الراتبة واستقبلوا حياة التدمن والحضارة  التي تحققت عبر مراحل متعددة.

فالحضارة لم تكن لتبنى بأصلاف قريش وأجلافها، ولا بهمجية ثقيف ووحشيتها، ولم يكن ليبنيها من تكدرت معتقداتهم بأدران الشرك وعبادة الوثن، ولكن بناها من كانوا أكثر قربا إلى الفطرة وتقبلا لدين الإسلام.
فهذا سعد ابن معاذ سيد الأوس إحدى أكبر قبائل المدينة يسارع إلى الدخول في الإسلام فور سماعه من  مصعب،فلم يدفعه منصب السيادة والزعامة   إلى الغرور والمكابرة والعناد برفض الإسلام، بل رضي به بعد أن علم بحق أنه دين الفطرة.

إن أهل المدينة كانوا أصحاب مال وتجارة، وأصحاب خصل حميدة ومزايا عديدة، وفوق هذا كانوا أكثر قابلية للانتقال من جفاء الصحراء وخشونتها إلى لين الحضارة ونعومتها، الأمر الذين جعلهم يعملون مع إخوانهم المهاجرين  جنبا إلى جنب، وروحا بروح، وقلبا بقلب، ويدا بيد، وساعدا بساعد، حتى حولوا المدينة المنورة من مدينة عادية وسط الصحراء إلى مهد بزغت منه شمس حضارة الإسلام، ومركز إشعاع حضاري وإنساني وفكري لدين الإسلام، ومختبرا لصناعة القيم الإنسانية والأخلاق الاجتماعية والمبادئ السامية، كما أصبحت المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية  وظلت تلعب هذا الدور لعقود.

وقد امتدت الرقعة الجغرافية للعالم الإسلامي وازدادت موارده البشرية  بفعل الفتوحات الإسلامية التي حررت شعوب العالم من جور الملوك واستبدادها، وقام المسلمون بنشر ثقافة السلم و العمران، وأشاعوا مبدأ حفظ الحقوق وإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان.

إن هجرة النبي عليه السلام من مكة إلى المدينة، كانت بقصد تجاوز موانع الدعوة وفك الحصار عن المسلمين أولا، وبناء الدولة ثانيا، وبناء حضارة إسلامية رائدة ونقل قيمها  الإنسانية إلى العالم بالانفتاح عليه ثالثا.

إن الهجرة حدث عظيم في تاريخ الإسلام،  أخل الدارسون في دراسة جوانبه العميقة وغفلوا تسليط الضوء على مقاصده العظيمة، فاحتجنا اليوم أن نزيل هذا القذى الذي حجب عنا الرؤية الحقيقية لحدث الهجرة وكلل نظرنا عن إبصار مراميها البعيدة ، حتى نتمكن من مجاوزة الفهم التسطيحي لحدث الهجرة الذي خيم على العقل الإسلامي لزمن سحيق، بفهم جديد لواقعة الهجرة نستلهم منها معاني الصبر والتضحية لنستعين بها في مشوار طريق الإصلاح الطويل.
________________________________
(أ)_ هاته الفكرة تنسب للإمام حسن البنا في إحدى خطبه.
(ب)_ عبد الله منار، المؤسسات الدينية، ص27