https://al3omk.com/246985.html

لكم العالم ولنا تميم

أثارت الصورة الموثقة لزيارة عاهل البلاد إلى قطر الكثير من المداد، حيث تظهر الصورة الملك بين مواطنين قطريين مستغربين ومبتهجين، بينما يحمل الملك كوفية رياضية مكتوب عليها مقطع من أغنية شعبية اتخذ شعارا لما بعد الحصار الخليجي.

لما ظهرت الصورة بادئ الأمر صدقها بعض وكذبها بعض آخر، واتهموها دون شك في انتظار ظهور الصورة الأصلية، وكذلك كان، حيث لم تمض ساعة حتى  تداول نشطاء الصورة نفسها، يرفع فيها الملك الكوفية الرياضية ليس مكتوبا عليها شيء، في حين بادر مستشار ملكي إلى نفي محتوى الصورة في تصريح لأحد الجرائد المقربة من الدوائر العليا، نظرا لحساسية المحتوى الذي قد يفهم منه موقفا رسميا واضحا من الحصار الخليجي، وهو ما قد يبعث على أزمة بين البلدين في سفرية كانت تقصد لم شمل دول الخليج العربي.

في البداية نسجل أن المستشار الملكي ليست وظيفته نفي أو إثبات حقيقة الصور الملكية أو زيفها، فهناك مؤسسة دستورية تقوم بهذه المهمة، كما أنه جرت العادة وحكم العرف أن حراس الملك ومرافقيه هم من يسمحون عادة أو لا يسمحون بأخذ الصور، وقد يتكلفون بإرسالها لأصحابها أو أشخاص يتخذون صفة غير دستورية في احتكار وترويج صور الملك مع المواطنين في الشارع العام. فاعتماد تصريح المستشار الملكي في الحسم في فبركة الصورة ليس كافيا، بل يدل فقط على أن الصورة اتخذت بالفعل شكلا سياسيا نظرا للمحتوى الذي تحمله، هذا رغم أننا نعتقد أن الصورة حقيقية ولا تتخذ أي بعد سياسي مادام أن الملك تعامل مع طلب المواطن القطري بنوع من العفوية لا تعبر أبدا عن رأي موقف رسمي.

فلماذا إذا لم يعلق السيد المستشار على صور أكثر حساسية من هذه، لما ظهر الملك في صور غريبة داخل دروب وحوانيت إفريقيا منها واحدة تظهر الملك داخل حانة وسط مواطنين مبتهجين، هذا رغم أن الصفة التي يحملها الملك كأمير للمؤمنين أكثر إضرارا من صورة لملك يفرج عن مواطن قطري يحس غبن الحصار.

إن نفي المستشار الملكي لحقيقة الصورة هو استدراك لفعل الملك لا أقل ولا أكثر، وربما يفهم منه أن الملك استشعر حساسية الصورة من أن تحمل أبعادا سياسية، تحمل فعل الملك قرارا رسميا في الاصطفاف إلى جانب قطر ضدا على نوايا دول الحصار.

ولكي نخرج من إطار الصورة إلى عالم أكثر اتساعا، ونسجل بداية أن هذه الصورة ليست بدعا من صور الملك المثيرة للجدل، فنقول إن ما يخلق الجدل عادة هو جهل الغالبية العظمى بسيكولوجية الملك، فعامة من المواطنين الذين هم ملكيون أكثر من الملك نفسه يحملون شخصية الملك ما لا تتحمله واقعا، فهم يلبسون الملك هالة وقداسة دينية تستمد طاقتها من تمثلاتهم التاريخية عن شخصية أمير المؤمنين ومن دراما السينما الدينية، فهم مثلا ينزهون الملك عن الوقوع في سوء التقدي، ويرفعونه عن الخطأ بل وعن أشياء تقوم لدى الملك مقام اليومي، بصرف النظر عن مشروعيتها الدينية. ولهذا فالملك دائما منزه، منزه عن أن يحمل كوفية بمحتوى قد يتم تأويله بأبعاد سياسية.

لكن العارفين بسيكولوجية الملك من قريب أو بعيد يدركون أن الملك أبعد ما يكون عن شخصية رجل الدين بالتمثل الإسلامي العامي، فهو أقرب من ذلك إلى رجل الدولة الذي يعيش في مستوى من تمظهرات الحداثة والعصرنة أكثر من كثير من الذين يحسبون عادة على الحداثة، بل إنه وبحسب كثير من الشهادات أكثر اجتماعية من كثير من الذين ترعرعوا في أوساط شعبية، ولولا حساسية المنصب الذي يتطلب نوعا من الاستعلاء على طبيعة شعب لألفيت الملك يعيش حياته كما يتنقل في شوارع أوروبا، وقد يفسر بعضا من هذا طبيعة لباسه الذي يثير عادة استغراب أو إعجاب كثير من المفتونين بالحداثة والعصرنة.

إن من يفهمون سيكولوجية الملك يفهمون بالبداهة أن الصورة كانت حقيقية، وأن الملك بصفته غير الرسمية لا يحمل أي عقدة من شعار أو مكان كما يتمثل العامي، فمواطن قطري مغبون يطلب من الملك رفع الكوفية لن يجد الملك أي حرج في الرفع من معنوياته، رغم أن هذا قد يجعله يغفل ما قد يترتب عن الشعار من تبعات، أما الذين قالوا إن الملك لم ينتبه للمحتوى فهؤلاء يسيئون لأنفسهم وليس للملك.

لكن وبالنظر إلى الموقف الرسمي للمغرب من الحصار، فلن يفهم مطلقا أن المغرب لولا هذه الصورة لكان موقفه محايدا كما يتصور البعض، فردود الأفعال الرسمية رغم إعلانها الحياد الذي يعني اعتزال الفريقين إلا أنها لم تقف مكتوفة الأيدي لما يقتضيه الحصار عادة، فالمغرب كان في وقت سابق من السباقين الى تزويد السوق القطرية بالمواد الغذائية لما قطعت دول الحصار الإمدادات، كان هذا في وقت شكك فيه الكثيرون في العملية خوفا من تبعات الفعل الذي يفشل مقاصد الحصار لولا التأكيدات الرسمية. فازدادت بذلك العلاقات بين البلدين قوة وصلابة أزالت شوائب ما كان يطبع علاقات البلدين، نظرا للدور الذي تلعبه قطر في التدخل في شؤون الدول عبر ذراعها الإعلامي والسلطة على التيار الإخواني التي تعتبر حاضنة رسمية له.

فرغم الحياد فالمغرب اختار بطريقة ما الانحياز لقطر ورفض الحصار وسعى إلى الصلح، فهو على العموم لن يغامر بالدخول في متاهة تجر عليه الويلات مثل الحرب الفاشلة في اليمن، ولن يغامر بالعداء لدولة يعتبرها المواطن العربي مظلومة في ظل انحياز واضح لدول الحصار للمخططات الأمريكية. فعلى الأقل سيكون المغرب متصالحا مع شعب تحكمه المقولات القطرية وسط تيار إخواني متصاعد، فاتقاء الشر الداخلي أولى من التماهي مع أطروحات دول متخبطة في المزاجية.

وفي الختام، ولكي لا أطيل، أؤكد أن الصورة حقيقية لا غبار عليها كما يفهم من ذلك خبراء الفوطوشوب، فما الغاية أصلا من رفع كوفية رياضية بيضاء لا توجد في أي سوق، ولماذا ينظر إليها المواطنون القطريون بغرابة؟ ولماذا عمد كبار الصحفيين والقنوات والأمراء إلى تبني الصورة؟ أكيد أنك لو بحثت في محلات الملابس الرياضية في قطر ستجد الجواب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)