النهاية المأساوية لمحمد مرسي إجهاض للاختيار الديمقراطي
https://al3omk.com/432718.html

النهاية المأساوية لمحمد مرسي إجهاض للاختيار الديمقراطي

إن الإجهاز المعنوي و البيولوجي الدراماتيكي لمحمد مرسي، باعتباره أول رئيس مصري انتخب ديمقراطيا ، ليس مجرد تقويض وحشي لوافد جديد على المشهد السياسي العربي ، المتمثل في مكون الإسلام السياسي المعتدل، بقدر ما أنه مسلك دموي رهيب، استهدف باندفاع منقطع النظير كل حساسيات مجتمع أرض الكنانة الليبرالية و القومية و الاشتراكية ، الحالمة بتجسيد تجربة ديمقراطية تقطع مع الفساد و الاستبداد ، و تتطلع إلى تشييد مشروع قومي نهضوي سليم.

وقد سبق لنا أن خصصنا مقالا تنبأ باستحالة نجاح الانقلاب العسكري المصري ، رغم نزعته الديكتاتورية الفظيعة، نشر في جريدة الشروق المصرية سنة 2013 ، نعيده الآن مع بعض التغييرات الطفيفة بمناسبة استشهاد أول رئيس مدني مصري منتخب !

1 – لقد شكلت ثورة 25 / 01 / 2011 حدثا مفصليا في تاريخ الأمة المصرية و الوطن العربي بشكل عام ، إذ خرج الشعب المصري بكل فئاته و أطيافه و انتماءاته الطبقية و الدينية و الأيديولوجية .. إلى ميادين التحرير في كل المحافظات ، للتنديد بأفشل نظام سياسي في الشرق الأوسط ، إنه نظام سيئ الذكر حسني مبارك ، الذي حكم البلاد بالحديد و النار، و نهج أسلوب الأبارتايد و التفرقة بين أبناء الشعب الواحد ، فمنح للفئة المحظوظة خيرات البلاد ، و رمى بالأغلبية المطلقة من الشعب المصري الطيب في عالم الفقر و الحرمان و الفساد .. لقد عبر هذا الشعب العريق و بأسلوب حضاري غير مسبوق عن إرادة مستميتة في إزاحة حاكم فضل الدفاع عن المصالح الغيرية ، و فئة ضيقة من المقربين من دائرة صناع القرار من رجال أعمال و إعلاميين و جيش و أمن و قضاء .. على حساب التطلعات العليا للبلد . و بعد أن نجح الشعب العربي العظيم في إزاحة هذه الغمة ، و طي صفحة حكم مبارك ، دخلت البلاد بحماس استثنائي في سلسلة من الاستحقاقات الانتخابية ، شاركت فيها كل الأحزاب و الهيئات السياسية من أجل بناء جماعي لغد أفضل لمصر القوية ، و كان الفوز في كل هذه الاستحقاقات ( مجلسي الشعب و الشورى و الرئاسة و التصويت على الدستور ) من نصيب الحزب الإسلامي المعتدل ؛ حزب الحرية و العدالة ، لأنه الأكثر شعبية و تنظيما و مصداقية و قربا من آلام و تطلعات الغالبية المطلقة من الشعب المصري . بيد أن الجيش و هو الإطار المؤسسي الأقوى في البلاد و غالبية الأحزاب السياسية القومية و اليسارية و الليبرالية ، التي خرجت خالية الوفاض من معركة صناديق الاقتراع ، كل هذه الأقطاب كان لها رأي آخر إظهار القبول و إخفاء الرفض و العداء للنتائج التي أسفرت عنها ممارسة ديمقراطية ، شهد العالم بأسره على جديتها و نزاهتها و مصداقيتها ، و منذ ذلك الحين أنشأت هذه الأطراف الفاشلة جبهة الإنقاذ لتنقذ نفسها من الوضع غير المشرف الذي وضعها فيه الشعب باختيار حر، و طفقت في تنظيم اللقاءات و الندوات و وضع مختلف العراقيل السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الإعلامية .. في طريق أول حكومة منتخبة ديمقراطيا في تاريخ مصر و الوطن العربي ، لإفشالها و إسقاطها مهما كلف ذلك من ثمن

2 – و بعد سنة من حكم الإسلاميين المعتدلين برئاسة الدكتور محمد مرسي ( و ما أصعبها من سنة مليئة بالمحن و المكائد و الضغائن الظاهر منها و الباطن ) ، قررت أغلب الأحزاب الليبرالية و اليسارية و القومية و بمساهمة “كريمة” من الجيش المصري و فلول النظام السابق ، أن تقلب الطاولة على المنجز الديمقراطي ، و تنقلب على اختيارات الشعب ، و هي التي طالما شنفت مسامعنا بقصائد مدح الديمقراطية و الحديث عن عظمتها و جدواها و وظيفتها في رقي الأمم و الدفع بها نحو التقدم و الازدهار و التنمية الشاملة ! .. و أعطيت الأوامر للإعلام المصري المأجور لقصف عمل الحكومة المنتخبة بكل أسلحة الكذب و التآمر و تلفيق التهم و الدعاية السوداء ، و ملء ميدان التحرير بالغاضبين من حكم الإسلاميين الحقيقيين و المصطنعين ، مما أحدث ضغطا فعليا على الحكومة الجديدة و المفتقرة إلى تجربة تسيير دهاليز الدولة ، و بفعل الحماس و الاندفاع الزائدين ارتكبت أخطاء إستراتيجية ليس أقلها الإعلان الدستوري ، الذي منح سلطات كبرى للرئيس على حساب المؤسسة التشريعية و القضائية .. مما أجج غضب جبهة الإنقاذ بمعية المؤسسة العسكرية ، و كأنها كانت تنتظر هذه ( اللحظة التاريخية ) لتنفيذ نواياها و ترجمة أحلامها في الانقلاب على ثورة القرن الواحد و العشرين . و بمساهمة ” فعالة ” من الفلول و المتحكمين في عجلة الاقتصاد الوطني و الإعلام الأسود و قطاع من الجيش و تمويل ضخم من بعض الدول الخليجية المعروفة بكراهيتها المطلقة للديمقراطية كنظام حكم ، تم اللجوء إلى ” اختراع ” فكرة شباب ( تمرد ) للدعوة إلى إسقاط حكومة لم يتسن لها أن تحكم ، و مرت مياه متدفقة تحت جسر أم الدنيا إلى أن جاء موعد 30/ 06/2013 ؛ موعد عرض مسرحية “ثورية” محكمة الإخراج و الحبك الفني تجلت في مشاركة جموع غفيرة من المواطنين المصريين تجاوزت أربعة ملايين حسب بعض الجهات المحايدة و الموضوعية ، مما هيأ للانتقال إلى الخطوة الأخيرة ؛ مطالبة الجيش ممثلا في وزير الدفاع و القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي ، الشعب المصري تفويضه للتدخل ” حماية لأمن الدولة و الدفاع عن الديمقراطية ” ! و نهاية القصة معروفة : انقلاب عسكري واضح المعالم و الأركان ، من تجلياته الكبرى : عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي و تعطيل العمل بالدستور الشعبي و تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا للبلاد و عسكرة البلاد و العباد .

3 – و لئن كان الجيش قد اعتقد خطأ أن الانقلاب هو خير وسيلة لاستتباب الأمن و الاستقرار ، و إعادة نظام حسني مبارك و طي صفحة حكم ” الإخوان ” ، بالاستناد إلى ما سمي ب” الشرعية الشعبية ” و كأننا أمام مقلب تلفزيوني فج ، فإن أتباع محمد مرسي و أنصار الديمقراطية كان لهم رأي آخر : الاعتصام الشعبي و السلمي من أجل الدفاع عن الشرعية الديمقراطية و الاختيارات الحرة للمواطنين ، و قد أعطت كل من ساحة رابعة العدوية و النهضة نموذجا غير مسبوق في الإصرار الأسطوري على الدفاع عن الاختيار الديمقراطي في مناخ من الحماس و السلمية و اليقين بالنصر . و حتى حينما أقدم الجيش و الأمن على ارتكاب مجازر دموية مرعبة ( الحرس الجمهوري و المنصة ) في حق مواطنين مسالمين يدافعون عن قناعاتهم الديمقراطية ، راح ضحيتها مئات الشهداء و الجرحى .. و التهديد بفك الاعتصامات بالقوة ، لم تتراجع الجماهير المصرية عن الميادين المناصرة للشرعية الدستورية ، بل ازدادت دائرة المحتجين اتساعا و تنوعا و قوة ، لأنها جماهير تحمل قضية مبدئية ( لا بديل عن الديمقراطية ) !

و لأننا نؤمن بأهمية الدولة المصرية و مكانتها الإقليمية ومركزية الجيش المصري في الدفاع عن المصالح العليا للوطن و مصير الأقطار العربية المشترك ، فإننا ندعو إلى سماع خطاب العقل و تغليب كفة الحكمة على ثقافة المغامرة و الصراع الصدامي و المقامرة بمستقبل أجيال الحاضر و المستقبل ، و نفترض أن الحل الأوحد للخروج من عنق الزجاجة ، هو الحل السلمي التوافقي ، حيث يستمع طرفا المواجهة إلى بعضهما البعض ( الإسلام السياسي المعتدل و المؤسسة العسكرية ) بحسن نية ، و أن يتنازل كل منها للآخر عن بعض المطالب الحدية من أجل راهن و مستقبل مصر .

4 – و لعل المبادرة التي تقدم بها بعض المثقفين و رجال الفكر و السياسة ، و على رأسهم محمد سليم العوا و فهمي هويدي تظل هي الأقرب للمنطق و العقل الراجح ، حيث لا غالب و لا مغلوب ! مع إمكانية إجراء بعض التعديلات و الإضافات الجزئية عليها ، و لعل أهم ما في هذه المبادرة بالغة الأهمية ، عودة الرئيس الشرعي محمد مرسي لا كرئيس فعلي ، بل لتفويض رئيس وزراء متوافق عليه و بصلاحيات كاملة ، من أجل إنجاز انتخابات نيابية و رئاسية ، و البدء في إجراءات تعديل الدستور ، أملا في اجتياز أخطر مرحلة تعيشها الأمة المصرية و الوطن العربي ، و إبعاد الجيش المصري عن الحياة السياسية ، و وضعه في المكان اللائق به ؛ الدفاع عن الوطن و الوحدة الترابية ، و مواجهة العدو الخارجي بكل ما أوتي من قوة و عتاد ، و إبعاد الإعلام التلفزيوني على وجه خاص عن التحريض المغرض و شيطنة الخصم السياسي و الاستمتاع بلعبة الموت ! و تفرغ الهيئات و الأحزاب السياسية الليبرالية و اليسارية و القومية لإعادة بناء بيتها الداخلي ، و الاجتهاد من أجل تقديم البدائل المادية الملموسة للمواطنين ، التواقين إلى الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية و العيش الكريم ، و الاستعداد لخوض استحقاقات قادمة بفاعلية و ثبات ، فنحن في حاجة تامة إلى كل التيارات الإسلامية و العلمانية على حد سواء ، للحصول على مكان جدير بنا بين الأمم الراقية ، و إقامة دولة مدنية ديمقراطية تسع الجميع من دون إقصاء أو استثناء لأحد ! بهذه الطريقة الحضارية المتقدمة و ليس بغيرها ، يمكن أن نبرهن للعالم بأسره ، على أن الحلم العربي بالديمقراطية ممكن جدا رغم الثورات المضادة داخليا و خارجيا !

* باحث مغربي في قضايا الفكر و السياسة

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.