قَدَري أن أعيش أبدَ الدّهر مُجـرِّباً مع الكبار!
https://al3omk.com/461478.html

قَدَري أن أعيش أبدَ الدّهر مُجـرِّباً مع الكبار!

لم يكن صيفا عاديّا، بل صيفا رائعا بجميع المقاييس والمواصفات، فقد حجّ فيه إلى تمازيرت من كلّ أصقاع التّجارة السّوادُ الأعظمُ من قدماء القطاع وأوليّاؤُه الصّالحون، حتّى أنّ الوالد رحمة الله عليه في ذلكم العام، وهوّ من جيل مؤسّسي تابقّالت بالمدن، كان قد سَنّ قاعدته المأثورة: “الله يرحم النّجّار والحدّاد” في إشارة منه إلى أفضليّة إيصاد أبواب الرّزق إلى حين العودة، عن ترك مُسيّر يقوم مقام المسافر في تدبير شؤون محلّه، لِئَلّا ينشطر الفؤاد إلى همّين، همّ في تمازيرت وآخر في قلب الحانوت!!

في تلكُمُ السّنة، كما كان حال المغاربة جميعا آنذاك، ولا تزال إلى حدّ اليوم بضعٌ من نسخ مظاهر ذاك الزّمن، رغم نُدرتها وشحوبها. كنّا أيضا كما هوّ حالُهم نعيشُ مهما تفرّعت من عوائل حديثة الأعشاش، في كنف الأسرة الكبيرة أو ما يُسمّى بالدّار الكبيرة. وطبعا لم يكن لأيّ شيء أن يُعفى أو يُستثنى من نظام وأسلوب المُجمّع الأسري، أيّا كانت أحجام أو أشكال تفاصيله، وهذا ما أضفى جماليّة فريدة الرّوعة على تحفٍ ظلّت عالقة في دولاب ذكرياتي، يزيدها انصراف الوقت ومُضِيُّه قيمةً وإجلالا، سيّما كلّما قارنتُها بشخبطات وشخابيط عصرنا ميّتِ الذّاكرة هذا، حيثُ لا شيء صار يُختزن لإستحضاره أو الإستشهاد به في وقت لاحق!!

كانت السّنة حسب توقيت التّاريخ تشير إلي العام 1978 ميلادي، وكانت المناسبة عرسٌ أسطوري لعمّي الأصغر عبد الرّحمن، وأعراسٌ أخرى لشُبّان أُخَر من أُسَر وعوائل أخرى. مناسبةٌ لِعِظَم التّنافس الذي نشأ حول إحيائها بين أهالي الأفراح، شُدّت إليها الرّحال بشتّى أصناف النّاقلات وقتذاك. كان حظّي منها زاوية في المكان الخلفي لشاحنة “بيرلي 4″ المخصّصة لنقل البضائع، أحدثتُ فيها نافذة صغيرة، أتابعُ من خلالها مشاهدَ الجغرافيَا كلّما اخترَقَتها الشّاحنة، تُهرول منّي بسرعة، لكي تختفي خلف مدّ البصر، ولكأنّها تنبع من عيناي، لتنساب في محيط الرّؤيا، كنهر جارف يَصبّ عند نهاية النّظر! فقد كنتُ قاعدا فوق العدّة والعتاد عكس وُجهة المسار، أراقبُ عن كَثَب، كيف يبتلع زمن الرّحلة جُغرافيا ثَريّة شكلا وعددا، كما لو أنّني في صالة سينما بالمعنى السّوريالي لِـ”سوليما” التّاريخ والجغرافيا، نسبة إلى أفلام “الهندي والكراتيه” المُتاحة آنذاك!!

كانت مدّة الرّحلة الفاصلة بين الرّباط وطاطا كافيّة لاستشعار مدى تعلّقِ المرء بأصله، ولم يكن عمري حينها يتعدّى 12 سنة، لكي أفهم وأنا مثل رحّالة صغير يجوب طرقا ملتويّة وضيّقة، مُستهلّها مُعَبّد بمقاييس مغرب البناء، وبقيّتُها مسالكٌ وعرة يفتقر ما بعدَها للنّماء، ينطلق معها المخاض العسير إبتداءً من وادي سوس بتارودانت!! أيّ نَعَم، لكي أفهمَ، وأنا دون الحُلم! أنّ الغاية مِن سفرٍ في الزّمن أكثر ممّا هوّ في المكان، كمَثل قطعةِ العذاب هاته، إنّما هوّ تجديدٌ للحَنين، وتعبيرٌ مُفعم بالإخلاص عن الولاء للجذور ورموز الإنتماء!!

يضيقُ المجال لأضعكَ عزيزي القارئ في الصّورة بدقيق تفاصيلها، وذلك لغزارتها وتقاطع جزئيّاتها، ولكن ممّا لا شكّ فيه، أن جميع الأعراس المبرمجة في الصّيف الجميل ذاته، قد انتهت بضرب الأبيض في الأسود بشهادة سماء بلدتي إيميتك، التي تناغمت في صفاء لياليها أدخنة البارود مع نجومٍ هاويّة وأخرى ساكنة، يَحرُسها بدر هادئ رَزين، حَدَت حُدوها خراطيش الذّخيرة الفارغة على اختلاف وغنى ألوانها المثناترة فوق ميدان الأفراح، تفوح منها روائح العزّة والشّهامة متراقصة كأشباح ثعابين، تتلَوّى فيما بينها، مزهوّة ومتصاعدة نحو الأعالي، ترفعها وتنفخ في هيئاتها حتّى تبدوَ مثل تنانين ضخمة إيقاعاتُ ذلك الأحواش البَهيّ، الذي انصرف جُل شموخه، ولم يفضل منه سوى مجرّد صورة ملطّخة بتشوّهات شتّى! شتّان بينها وبين ما علق بالأذهان من اللوحة حينها، فترك الإنطباع الحَسن، وزَرع الإحترام والتّقدير لجيل من البواسل، أكيد أنّه لن يقبل أن تصير أهازيجُه وسائر أمجاده فلكلورا مستهلكا بالوان وأوزان أكياس البطاطس المُقرمشة!!

بديهي أن يكون صيف 1978 صيفا غير عادي، وقد عُدت من رحلة الوفاء مغروسا ببذور الوفاء، كلّما أمطرَت أحداث الحاضر عن سوء طقس، أو تَلبّد المزاج بالهموم، إلّا وأزهَرت في المخيال مِن زمن البَواسل نبتة فوّاحة، تُعطّر أجواء زمني المشحون بالأحقاد والضّغائن، مع أنّني لم أنجُ من نُدُوبِ حياةٍ، كما فيها الخيرُ لا يخلو منها شرّ قطّ، وشرّ البلية ما يضحك. فقد اكتشفت مباشرة بعد العودة، أنّني مصاب بِبَكتِيريَا نتيجة السّباحة رفقة أبناء عمومتي الكبار في بركة مائية بضواحي أقّا، استدعى علاجها بعد انكشاف السّر لحساسيّة الموضوع، جلبُ نوع من العقاقير من فرنسا!! فلعلّ قَدَري أن أعيشَ أبدَ الدّهر مُجـرِّبا مع الكبار!!