دور الأحزاب السياسية في اختيار المرشحين.. مقاربة نظرية

12 ديسمبر 2019 - 15:55

مقدمة…

تحاول هذه الدراسة تناول الأوجه المختلفة والمتعددة لعملية اختيار المرشحين1 ، وتسلط الضوء بالأساس على الدور الذي تلعبه الأحزاب السياسية في هذه العملية. فرغم الأبحاث والدراسات التي أقيمت حول هذا الموضوع فإن العاملون في مجال السياسة يرون أن المصادر التي يسهل على الناس استخدامها والتي تتضمن شرحا للمسائل الرئيسية موضوع البحث ، والتي تتناول الايجابيات والسلبيات حول مختلف الخيارات المتاحة لا تزال قليلة نسبيا ، ومن هنا تبرز أهمية هذه الدراسة التي سنناقش فيها بعض المسائل الرئيسية التي قد ترغب الأحزاب السياسية اخذها بعين الاعتبار عند اختيار مرشحيها.

كما سنحاول تقديم صورة عامة لبعض التجارب العملية لأحزاب سياسية من مختلف بلدان العالم ، ونقارن بين مقاربة كل منها في اختيار مرشحيها.

تعتبر الانتخابات وسيلة ديمقراطية لإسناد السلطة السياسية الى الهيئة التي حضت بثقة الناخبين ، وهي خير قياس لاتجاهات الرأي العام ، وتمثل قيداً خطيراً على ممارسة السلطة ، والمواطن هو الأساس في هذه العملية.2

كما أن الأحزاب السياسية تلعب دورا مهما في هذه العملية على اعتبارها الهيئة الأكثر تأهيلا للقيام بوظيفة اختيار المرشحين ، وتقديمهم للناخبين ، من أجل التنافس على المقاعد الانتخابية في الدول الديمقراطية ، وبالرغم من وجود إمكانية الترشح دون القناة الحزبية ، في بعض الأنظمة ، فإن بعض الأحزاب السياسية تعد المؤسسة المهيمنة في هذا المجال3، بحيث تظهر من خلال هذه الوظيفة كآلة انتخابية4.متميزة بذلك عن المجموعات الضاغطة التي لا تشارك في الانتخابات.

تعتمد الأحزاب السياسية طرق متنوعة في اختيار المرشحين5 ، ففي أحزاب الأطر التقليدية تحتكر لجان الوجهاء هذه العملية ، حيث الأقلية الحزبية تتولى هذه المهمة، وفي أحزاب الأطر الحديثة تلجأ الأحزاب الى الانتخابات الأولية لاختيار مرشحي الحزب ، أما أحزاب الجماهير فتلجأ الى المؤتمرات الوطنية أو الجهوية أو المحلية لاختيار مرشحيها ويشارك في ذلك ، سواء بطريقة مباشرة أوغير مباشرة، وتتبع الأحزاب في ذلك مساطر متنوعة.

هي تظهر من خلال هذه الوظيفة كآلات إنتخابية6.متميزة بذلك عن المجموعات الضاغطة التي لاتشارك في الانتخابات.

تتطلب الديمقراطية قيام أحزاب سياسية تتسم بالقوة والاستمرارية والقدرة على تمثيل المواطنات والمواطنين ، وتعمل على وضع البرامج والخيارات السياسية التي تبين مدى قدرتها على ممارسة السلطة وتدبير الشأن العام ، والملاحظ أن أكثرية الأحزاب السياسية اليوم في جل الديمقراطيات والأنظمة الناشئة خصوصا تلك التي تقوم على أساس التعددية الحزبية أصبحت تعيش أزمة نوعية خطيرة ، وهو ما ولد الشعور بالإحباط وخيبة الأمل لدى المواطنات والمواطنين تجاه هذه الأحزاب وقادتها ، في الوقت ذاته يزداد التأييد للمرشحين المستقلين وللأحزاب ذات المصالح الخاصة ، وهو ما يفرض عليها أن تولي أهمية أكبر من ذي قبل لتوسيع مشاركة الجميع في الحياة السياسية والحزبية على وجه الخصوص ، وتعزيز الشفافية ووضع الإجراءات الوقائية داخل هذه المؤسسات لكسب ثقة المواطنات والمواطنين.7

تعتبر وظيفة اختيار المرشحين للانتخابات التشريعية والمحلية عنصرا أساسيا في وظيفة الإستقطاب التي تمارسها الأحزاب السياسية ضمن المجتمعات الديمقراطية، كما تعد من الوظائف الأكثر وضوحا لنشاطها في النظم الديمقراطية ، فالانتخابات تفعيل لحياة الأحزاب الداخلية ، و تعبير عن خياراتها القيادية والتمثيلية ، ففي بعض أنظمة الحزب المهيمنة أو مناطق نفوذ الحزب يصل الأمر حد تعيين القادة السياسيين في وقت مسبق وذلك بمجرد اختيار الحزب مرشحيه ،وما تؤول إليه هذه العملية من نتائج تعكس بصورة أو أخرى قيّم الحزب والبيئة التي يعمل فيها ، كما أنها تؤثر بشكل أعمق على الصورة العامة التي يكونها الناس عن الحزب.

’’ صعوبة تحقيق التوازن بين استراتيجيات الحزب على المستوى الوطني والحساسيات المحلية’’

هناك مفهومين أساسيين يجب التمعن بهما فيهما يتعلق بمسألة انتقاء المرشحين من قبل الأحزاب السياسية: الأول هو مستوى المركزية، بمعنى تحديد أي من مستويات الحزب تسيطر على عملية انتقاء المرشحين، المركزي/الوطني، الإقليمي أم المحلي. أما المفهوم الثاني فهو مستوى المشاركة، بمعنى من يسيطر على عملية الانتقاء في كل مستوى، أهم الأعضاء العاديون أم القيادات الحزبية.

’’على مستوى المركزية’’

في النظام المركزي المتطرف، عادةً ما تتخذ القرار حول انتقاء المرشحين وكالة أو هيئة حزبية وطنية، دون أية مشاركة من قبل الفروع المحلية للحزب. أما في الجهة المقابلة، فقد نجد بأن الفروع المحلية وعلى أدنى المستويات هي من تقرر حول انتقاء المرشحين، دون أن يتطلب ذلك أي إقرار أو مشاركة من قبل الحزب على المستوى الوطني. وكما هي الحال في الكثير من الحقول الأخرى، فالممارسة الأكثر شيوعاً في هذا المجال تقع بين هذين الطرفين للمعادلة.

يتم انتقاء المرشحين في معظم الأحزاب السياسية على المستوى المحلي، على الرغم من تأثير المستوى الوطني بدرجات متفاوتة في تلك العملية. أما ذلك التأثير فقد يتخذ شكل المبادرة الإيجابية من خلال تشجيع ، أو توصية أو حتى إرغام الفرع المحلي للحزب على انتقاء مرشح ما، أو السلبية من خلال احتفاظ المستوى الوطني للحزب بحق الاعتراض على أي من المرشحين الذين يتم انتقاؤم على المستوى المحلي. وفي كلتا الحالتين، يجب على الحزب إيجاد توازن قد يصعب تحقيقه أحياناً بين استراتيجيات الحزب على المستوى الوطني والحساسيات المحلية.

’’ على مستوى المشاركة’’

تتمثل إحدى الحالات التي تتسم بأدنى مستوى ممكن من المشاركة في قيام قائد الحزب بمفرده باتخاذ كافة القرارات المتعلقة بانتقاء المرشحين. أما الطرف الآخر لهذه المعادلة فيتمثل في قيام الأعضاء العاديين للحزب بانتقاء المرشحين بشكل نهائي ودون أي تدخل أو مشاركة من قبل قيادة الحزب.

ويمكن ذكر النهج المتبع في الولايات المتحدة الأمريكية كمثال على الحالة الثانية، حيث يقوم الأعضاء (أو حتى كافة الناخبين المسجلين في بعض الولايات) بانتخاب مرشح أو مرشحي الحزب من خلال التصويت المباشر في انتخابات أولية (برايمريز). ويتم الانتخاب بين كافة المرشحين المتقدمين، ويتم تنفيذ عملية الانتخاب بإشراف من الحكومة، وخارج نطاق سيطرة الحزب نفسه إلى حد بعيد. وتضمن الحكومة إدراج اسم المرشح الذي يفوز بالانتخابات الأولية على ورقة الاقتراع دون غيره.

لقد اختارت أحزاب أخرى في العديد من البلدان اعتماد مستويات متفاوتة من مشاركة الأعضاء في عملية انتقاء مرشحيها، كالانتخابات الأولية التي يقوم الحزب نفسه بتنظيمها وتنفيذها، أو الانتخابات غير المباشرة حيث تقوم فروع الحزب المحلية بانتقاء وإرسال ممثلين عنها إلى المؤتمر الوطني للحزب.

’’الانتخابات الأولية مثال على عملية اختيار بمستوى عال من المشاركة’’

الانتخابات الأولية أو التمهيدية كما يسميها البعض ، هي في تعريفها عملية تهدف الى اختيار مرشح أو مرشحين من حزب سياسي لخوض عمار الاستحقاقات العامة المقبلة ، وتتم هذه العملية عبر عقد انتخاب حزبي داخلي ، وتحدد اجراءات وكيفيات هذا الانتخاب وفق الاطار القانوني والقانون الداخلي الخاص بالحزب

ان عقد انتخاب حزبي داخلي لاختيار مرشحي الحزب يعبر عن مستوى عال من المشاركة والديمقراطية الداخلية ، بحيث يسمح للأعضاء العاديين بالحزب التحكم في تلك العملية الانتخابية ، وهو ما يجعل هذه الآلية تحظى بتأييد كبير ، كونها تعمل الى جانب ذلك ، على اطلاق العملية الديمقراطية من عقالها قبل موعد الاستحقاقات العامة، كما تعطي للمرشحين تفويضا واضحا وصبغة شرعية بحكم أن القرار صادر عن أعضاء الحزب بشكل عام ، وليس من قبل القيادة العليا للحزب

كما تساعد هذه الآلية من جهة أخرى ، في عملية عكس هيمنة النخب الحزبية الغير شرعية ، والمتغلغلة في مختلف أوصال الحزب ، والتي تسعى دائما لأن تترشح لوحدها باسم الحزب.

رغم كل هذا فإن اعتماد الانتخاب الأولي لاختيار مرشحي الحزب كآلية ، تقابله مجموعة من الانتقادات ، فغالبا ما تصبح هذه الآلية مصدرا يشجع على احتدام التنافس وتأجيج الصراع ، بدلا من توليد بيئة تطبعها المفاوضات والتوافقات ، في وقت يتطلب الأمر فيه تركيز كل الجهود لمواجهة التحديات الخارجية والتغلب عليها ، وليس لتناول المسائل الداخلية.

’’ الكوتا/ الحصة ترشد عمليات انتقاء مرشحي الأحزاب السياسية للانتخابات العامة’’

في أغلب الأنظمة الديمقراطية تكون السيطرة كاملة للأحزاب السياسية وليس للناخبين ، على عمليات اختيار المرشحين ، بحيث تصبح الأحزاب السياسية تؤدي دور الوساطة وتقرر عمليا من يمتلك فرصة للفوز بالاستحقاقات العامة ، ومن لا يملك فرصة للفوز.

والغالب أيضا في جل الأنظمة الديمقراطية ، أن عملية اختيار المرشحين تكون مرشدة بحصص يستلزم الأخذ بها ، وتكون مضمنة بالدستور ، أو مؤطرة في قانون الانتخاب ، كما يمكن أن تكون طوعية8 معتمدة من الحزب بنفسه ، ومنصوص عليها في قانونه الداخلي.

يعتبر نظام الكوتا القانونية أو الحصص ، عاملا مؤثرا على اجراءات اختيار المرشحين : بحيث تتطلب من الأحزاب تضمين لوائح ، أو نسب محددة لأفراد محددين من نوع جنسي معين أو فئة عمرية دون سواها. وبعض القوانين تجاوزت ذلك لتضع حوافز لوضع لوائح متوازنة ، وهنا نستحضر فانون تكافؤ الجنسين الذي صدر بفرنسا عام 2000 ، فبموجبه تخضع الأحزاب السياسية التي تعيين أحد الجنسيين في أقل من 48 بالمائة أو أكثر من 52 بالمائة من مجموع المرشحين في كل أرجاء البلاد ، لغرامات تتمثل في تخفيضات في التمويل العام.9

إن من العوامل التي تؤثر في تنفيذ حصص الترشيحات الحزبية هو النظام الانتخابي المطبق. وهنا نسحضر نظام التمثيل النسبي بصفة خاصة الذي يعمل على تسهيل انتخاب مجموعة متنوعة من الممثلين.

في الدوائر الإنتخابية بعضو إنتخابي واحد ، فإن كل تنظيم حزبي يمكنه أن يرشح عضواً واحداً فقط .  وفي الممارسة العملية ، فإن الأحزاب تميل الى اختيار المرشح الذي ينسبونه إلى أكبر فرص للفوز : وفي الواقع ، فإن المرشح المختار غالباً ما يكون رجلاً ، كما غالباً ما يكون عضواً في مجموعة الأغلبية.  وهذا يجعل الأمر أكثر صعوبة لتنفيذ الحصص الحزبية الطوعية ، وغالباً ما لا يتم ترشيح النساء وأفراد الأقليات إلا في الدوائر التي  لا يرى فيها الحزب  أي أمل أو أي فرصة له هناك للفوز فيها.  ولذلك ، فإن كوتا الحصص في نظم الإنتخابات التي تعمل بالأغلبية / التعددية تميل إلى إعطاء نتيجة أقل من ناحية المرشحين المنتخبين عوضاً عن كوتا الحصص في نظم التمثيل النسبي.

وثمة عامل آخر ذو أثر هام في عملية تنفيذ الحصص الحزبية  الطوعية للترشيحات، ألا وهو الثقافة السياسية السائدة في البلاد. وإذا جرى التشجيع على زيادة نسب التمثيل من قبل النخب السياسية والهيئات الاعلامية وجمهور الناخبين في آخر المطاف ، فإن من المرجح أن تدرك الأحزاب السياسية  قيمة ومزايا الحصص الحزبية الطوعية بالفعل.

إن مدى الانفتاح في الثقافة السياسية يحدد مدى الفرص المتاحة لأعضاء المجموعة  الاجتماعية المحرومة لاكتساب شيء من النفوذ والتأثير على القرارات السياسية المتخذة في البلاد.

كما أن للثقافة الحزبية  أثرا على تنفيذ نظام كوتا الحصص. ويقال أن التمييز الإيجابي لصالح الفئات المحرومة من خلال إستخدام نظم المحاصصة  يعتبرأكثر اتساقا وتماشياً مع أحزاب سياسية معينة، أكثر من غيرها. وتعتبر الثقافة الحزبية أو السياسة الرئيسية لدى هذه الأحزاب والتي ترمي إلى  التدخل وإعادة توزيع الثروة لمكافحة الفوارق الاجتماعية أو الاقتصادية، بأنها مشابهة إلى حد كبير  للتدخل من خلال نظم الحصص الإنتخابية  والقواعد المتعلقة بطرق المحاصصة المعتمدة فيها.

’’ تعدد الاعتبارات وصعوبة الوصول الى استنتاجات قطعية’’

يعتقد الكثيرون بتأثير عدة عناصر وعوامل في مستوى مركزية عملية انتقاء المرشحين ومستويات المشاركة فيها، كنظام الانتخابات، أو أيديولوجية الحزب، أو الثقافة السياسية السائدة أو كيفية تنظيم وإدارة الحكم في البلد المعني. إلا أنه لا توجد أية إثباتات على أن أي من تلك العوامل له تأثير كامل ونهائي في تحديد طبيعة تلك العملية.

قد يكون من الطبيعي أن تؤثر الهيئات الوطنية للحزب بشكل أكبر في عملية انتقاء المرشحين في النظم القائمة على وجود دوائر انتخابية تعددية (حيث يتم انتخاب أكثر من ممثل واحد عن كل منها)، في الوقت الذي قد تعطي النظم القائمة على أساس الدوائر الانتخابية الفردية تأثيراً أكبر للفروع المحلية للأحزاب.

وبنفس المنطق، فقد تعزز النظم الفدرالية من لا مركزية عملية انتقاء المرشحين، وقد تفضل الأحزاب السياسية التي تتبع إيديولوجيات أكثر انفتاحاً على المشاركة اتباع إجراءات تستند إلى مستويات أوسع من مشاركة الأعضاء في عملية الانتقاء، بينما قد تفضل الأحزاب السياسية في المجتماعات المعتادة على التركيبات الهرمية إجراءات غير تشاركية لعملية انتقاء المرشحين.

وعلى أية حال، فعادةً ما تختلط كل هذه الاعتبارات وغيرها داخل الأحزاب السياسية، الأمر الذي يجعل من الصعب الوصول إلى استنتاجات قاطعة. وحتى في الحالات التي تنص فيها القوانين على طريقة انتقاء محددة، فقد يصعب تحديد ما إذا كان القانون يحدد طريقة الانتقاء أو أن ذلك لا يعدو كونه مرآة تعكس ما يحصل على أرض الواقع.

’’ لائحة المراجع’’

1. محمد وليد العبادي،كريم يوسف كشكاش، مراحل إعداد جداول الناخبين للانتخابات النيابية في الأردن ، مجلة المنارة للبحوث والدراسات، المجلد 12، العدد 3، 2006
2. محمد الرضواني ،مدخل الى القانون الدستوري، المعارف الجديدة ، الرباط، 2004
3. فليب برو، علم الإجتماع السياسي ، ترجمة محمد عرب صاصيلا ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت لبنان 1998
4. سيفاكور أشياغبور ، الأحزاب السياسية والديمقراطية من الناحيتين النظرية والعملية، اختيار المرشحين للمناصب التشريعية ، منشورات المعهد الوطني الديمقراطي للشؤون الدولية ، ترجمة نور الأسعد ، طبع ب لبنان ، 2009

* باحث في القانون العام والعلوم السياسية

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

في معنى النزاهة، ومعنى الشفافية

الحق في الجمجمة.. الحق في الذاكرة

ديناصورات ولكنها لم تنقرض بعد !

قراءة في كراسة الخط المغربي الميسر للخطاط الخبير محمد المعلمين

عازبات في حداثة خاصة جدا جدا

تابعنا على