خواطر فوسفاطية 3‎

خواطر فوسفاطية 3‎

06 فبراير 2017 - 02:54

أخيرا، جاءنا البشير بخبر تأشير الورقة الساحرة، وثيقة الترسيم، وتزامنا مع ذلك طلبني رئيسي في العمل رفقة رفيقي في التدريب ليمرر لنا كعادته تتمة عقوبة الحكم بالأعمال الشاقة. وإذ نحن ننتظر عقوبتنا رنّ هاتفه الكلاسيكي الذي يحتاج إلى سبابة قوية تتحكم في الأزرار الغائرة كما يتحكم هو في مصائرنا، تغيرت نظرات الرئيس وهو يحملق في رزنامة التواريخ...إنه الرئيس الأكبر على الخط، هو ذاته الذي سمعنا عن قدرته في تلوين ملامح العمال وقسماتهم متى يشاء وكيف يشاء. قال رئيس رئيسنا وهو يتحدث إلى هذا الأخير؛ لماذا توقف الناقل المطاطي لمدة تسع عشرة دقيقة، أجاب الرئيس الصغير وهو ينظر إلى كبشين أقرنين يقفان أمامه ويصلحان أكثر من غيرهما للفداء في أي وقت وحين؛ المتدربان الأبجديان سيدي، لم يتشربا الصنعة بعد...صُعقت لفجائية الجواب وكأني به ينحرف عن حجر ضخم ليصيبني في مقتل أنا وزميلي الأغر...

لم نستسغ الأمر في البداية، خاصة أن الرئيس الكبير أمر بتمديد فترة التدريب لمتدربين ارتكبا جرما مهنيا لا يوجد إلا في مخيلة رئيسنا المباشر، الذي قال لنا عقب المكالمة بعد فعلته؛ لن يكون إلا خيرا... إلى هذه اللحظة لم أعرف ماذا كان يقصد بكلمة "الخير". كان لهذا الحدث انطباع سيئ على نفسيتي مذ ذاك الحين، إلى درجة أنه أفرز احتكاكا هادئا مع ذات الرئيس الذي سبق أن وعدنا ب "الخير".

أتذكر يوما أنه انفرد بي في سيارته الوظيفية موجها إلي عبارات استفزازية بشأن طريقة تعاملي معه، قال لي إنك رجل غير سوي، أجبته بأسارير منشرحة؛ توصيفك لي بالرجل هو فخر لي سيدي الرئيس...جواب زاد من انكشاريته وعقب على مضض؛ لماذا كلما تحدثت إليك تبادرني بضحكاتك الفجة؟؟ قلت إنك تعتقد أنني أضحك، في حين أني أبتسم في وجهك سيدي...قال كيف ذلك؟؟ قلت تبسّمك في وجه أخيك صدقة..نظر إلي بنظرة حانقة؛ اذهب عني الآن، واعلم أنك لن تذهب بعيدا في مسارك المهني..أجبته دون تردد، لو اجتمعت...قال ماذا تقصد أيها الوغد؟؟ لم أجبه، فعقب عليه مسؤول برتبة أصغر منه كان قد التحق بنا للتو، إنه يقصد الحديث الشريف "لو اجتمعت الإنس والجن على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك..".

بعد هذا الحوار الشيق في نظري والفج في نظر رئيسي، كان جزائي أن تم تنقيلي إلى مكان عمل آخر كانت الأعمال فيه جارية ببطء شديد في ربطه بشبكة الماء الصالح للشرب وقنوات المياه العادمة...إلا أنه ولحسن حظي، كان ظل الأشجار وفيرا في ذاك المكان على الأقل لقضاء حاجتي....

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

غضب المرشدين السياحيين المعتمدين

قلعة السراغنة.. أي قرارات لأي تنمية في ظل جائحة كورونا؟

منطق فئة من المغاربة ومنطق القانون

تابعنا على