وجهة نظر

  هل ألمانيا بلد عدو للمغرب؟ هل يطالب المغرب بتعويضات من ألمانيا؟

             تتحمل المانيا مسؤولية تدخلات ست مآس في التاريخ الحديث في الشؤون المغربية، ودمرت بذلك ألمانيا أموراً كثيرة في علاقتها مع المملكة المغربية:

1 صادقت ألمانيا على الوثيقة الرسمية النهائية لمؤتمر برلين 1884-1885 التي تعترف باستعمار إسبانيا للصحراء المغربية.

2 هددت ألمانيا المغرب في سنة 1911 باستعماره. فالتجأت إلى “سياسة السفن الحربية” Kanonenbootpolitikالتي ضمنت بها سمعتها السيئة.فدبرت “قفزة النمر إلى أكادير” (1911)Panthersprungnach Agadir، في إشارة الى السفينة المدرعة التي سمتها “النمر”، تلك السفينة التي أرسلتها الى أكادير. وأرسلت كذلك المزيد من السفن الحربية لتعززطموحاتها الاستعمارية.

3 أنتجت ألمانيا أسلحة كيماوية فور انتهاء الحرب العالمية الأولى ونقلتها إلى إسبانيا والى مليلية لاستخدامها ضد المقاومين المغاربة، وضد السكان المدنيين في حرب الريف، من عام 1921 إلى عام 1927، وذلك بمشاركة خبراء ألمان.

4 اقصت ألمانيا المغرب من مؤتمر برلين حول ليبيا الدي انعقد في 19 يناير 2020، رغم أن المملكة هي التي استقبلت الأطراف الليبية عدة مرات في الصخيرات في السنوات الأخيرة بهدف المصالحة الوطنية في ليبيا. والغريب في الأمر أن ألمانيا دعت الجزائر الى هذا المؤتمر، مع أنها لم تتخذ أي مبادرة في هذا الصدد.

5 أعلنت ألمانيا بسرعة فائقة مناهضتها لاعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على “الصحراء الغربية” في 10 ديسمبر 2020، وكانت في طليعة الدول التي دعت لعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن المنعقد في 21 ديسمبر 2020، لإدانة هذا الاعتراف. وعرقلة خطة الحكم الذاتي للصحراء المغربية كذلك.

6- ابرمت المانيا معاهدة استراتجية مع العسكر الجزائري ضد المغرب.

الاعتداء الأول:

بأي حق صادقت ألمانيا من خلال مؤتمر برلين (1884-1885) على استعمار إسبانيا للصحراء الغربية المغربية، التي كانت منطقة مغربية طوال قرون ما قبل الاستعمار؟

لقد كانت تلك المنطقة معقلاً لدولة المرابطين العريقة التي حكمت المغرب من منتصف القرن الحادي عشر إلى منتصف القرن الثاني عشر الميلادي.وامتد نفود المرابطين من جنوب الصحراء المغربية إلى الأندلس في إسبانيا والبرتغال. وبعد ذلك، سادت على المغرب دول عديدة نذكر منها الموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين الذين يحكمون البلاد منذ عام 1666 الى يومنا هذا.

ففي سنة 1884 استعمرت إسبانيا الصحراء المغربية، ولكن لم يكن لديها أساس قانوني لهذه المبادرة. لذلك التجأت إلى الرايخ الألماني الذي كان ينظم في ذلك الوقت مؤتمراً كبيراً حول تقسيم إفريقيا بين القوى الأوروبية. كان ذلكهو مؤتمر برلين الذي دعا إليه المستشار العظيم بسمارك بين 15 نوفمبر 1884 و 26 فبراير 1885.

وبموجب هذا المؤتمر ، حصلت إسبانيا على “المصادقة القانونية” لقيامها باحتلال الصحراء المغربية. ويبدأ الإعلان الختامي لمؤتمر برلين في 26 فبراير 1885 بالإشارة الى أنه يقرر “بسم الرب القدير”. علماً أن الرايخ الألماني يستشهد بالربسبحانه وتعالى حتى يعطي لإسبانيا المصداقية القانونية على استعمارهاللصحراء المغربية (راجع المادة 34، الفصل السادس من “القانون العام لمؤتمر برلين”).ونظرا لكل هذه المعطيات يحق للمغرب وجميع الدول الإفريقية المتضررة المطالبة بتعويضات من ألمانيا، لأنها نظمت هذه المؤامرة الصارخة ضد إفريقيا على أراضيهاوفي عاصمتها.

الاعتداء الثاني

في 11 يوليو 1911، هجمت ألمانيا على المغرب مرة أخرى.  وقد وصفت هذه الهجمةبـ”قفزة النمر” إلى أكادير المشؤومة، إذ أرسلت الإمبراطورية الألمانية السفينة الحربية “النمر” إلى المغرب للتعبيرعن صرامة موقفها العسكري ومواجهة المغرب انطلاقاً من خليج أكادير. لقد كان ذلك استعراضاًللقوة من طرف الإمبراطورية التي أرادت أن تُظهر للعالم أنها مستعدة كل الاستعداد لاستعمار المغرب، ولو كلفها الأمر ثمناً باهظاً. كما أرسلت ألمانيا سفينتين حربيتين أخريتين هما: “SMS Eber” و “SMS Berlin” لدعم مطالبها. وقد ساءت سمعة السياسة الخارجية الألمانية، في ذلك الوقت، باعتبارها “سياسة الزوارق الحربية”،فاهتزت مشاعر اليمين في المانيا، ونوهت الصحف بتلك المبادرة الهائلة، وظهرت عبارات تطلعية، مثل: “يا لها من مبادرة”، “متى ستزحف جيوشنا الى الأمام”، “غرب المغرب الآن في قبضة المانيا”. وكادت أن تندلع حرب عالمية على اثر هذا الاعتداء.فالمواجهة كانت ستحصل بين كتلتين: “الوفاق الودي” (فرنسا- بريطانيا العظمى) Entente Cordiale من جهة، و”القوى المركزية” (ألمانيا والنمسا-المجر) Mittelmächte من جهة اخرى. أما بريطانيا العظمى فقد بادرت باستنفار قواتها رداً على التهديدات الألمانية.

ولم تعد المياه الى مجاريها إلا بعد مفاوضات شاقة مع فرنسا، تخلت ألمانيا على إثرها عن طموحاتها في المغرب مقابل مناطق في الكابون والكاميرون. وبعد هذا الاتفاق، غادرت البحرية الألمانية أخيراً خليج أكادير في 28 نوفمبر 1911.

الاعتداء الثالث

التدخل الألماني الثالث في المغرب هو الأكثر خطورة.  ويرجع ذلك أساساً إلى العواقب الكارثية التي نتجت عنه بالنسبة لسكان جبال الريف، وبالنسبة أيضاً للأراضي الفلاحية والنباتات والحيوانات هناك  وتعتبر هذه الحقبة حقبة مظلمة جداً من التدخل الألماني في الشؤون المغربية. ويتعلق الأمر باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد المغاربة خلال حرب الريف بين عامي 1921 و 1927،مباشرة بعد الهزيمة المدمرة للجيش الاستعماري الإسباني في معركة أنوال في 22 يوليو 1921، التي قتل فيها أكثر من 13000 جندي إسباني على يد مقاومي الريف، بقيادة زعيمهم البار  عبد الكريم الخطابي. فاتصلت في ذلك الوقت الحكومة الإسبانية بـ”هوجو ستولتزنبرج” Stoltzenberg، الكيميائي الألماني المتخصص في صنع الأسلحة الكيماوية بألمانيا ليزود بها إسبانيا. ثم أسس لهذا الغرضمصنعاً بالقرب من هامبورغ في عام 1923، “مصنع Stoltzenberg للكيماويات”.وبتواطؤ مع قيادة الجيش الألمانيReichswehr تم تنفيذ هذه العملية، على الرغم من حظر الأسلحة المفروض على ألمانيا بموجب معاهدة فرسايVersailles.

وتجدر الإشارة هنا الى أن  Stoltzenberg  استخدم لأول مرة أسلحته الكيميائية في الحرب العالمية الأولى ضد الجنود المغاربة الذين قاتلوا إلى جانب فرنسا. وخلال حرب الريف، وبموافقة قيادة الجيش الألماني، طور استراتيجية لمحاربة سكان الريف بالغازات السامة. وكان يستهدف بشكل خاص القرى النائية والأسواق الأسبوعية والمناطق الزراعية. وأراد أن يسمم السلسلة الغذائية لسكان الريف بشكل منهجي. فكانت عواقب هذا الإرهاب الكيميائي مدمرة بشكل خاص على السكان المدنيين، حيث تم استخدام غاز الخردل في المقام الأول.كما قامت شركة شنايدر Schneider الألمانية ببناء مصنع أسلحة كيماوية في مدينة مليلية شمال المغرب عام 1922 بمساعدة خبراء ألمان.  كما وافقت ألمانيا أيضاً على اتفاقية سرية في عام 1923 تنص على إرسال عدة مئات من القنابل الكيميائية وعلب الخردل إلى مليلية في سفن عسكرية خاصة. وقد تم تنظيم هذه العملية والإشراف عليها من قبل عشرات الخبراء الألمان. فزودت ألمانيا الجيش الإسباني بمئات الأطنان من الفوسجينPhosgen ومواد أخرى.وفي مرحلة أخرى، ساعدت ألمانيا الجيش الإسباني في بناء العديد من مصانع الأسلحة الكيميائية في الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة الإيبيرية.

وهكذا كثفت إسبانيا حربها الجوية وحشدت نحو مائة طائرة حربية، فبدأت تلقي ما بين ألف وألفي قنبلة على سلسلة جبال الريف كل يوم. وهناك أدلة كثيرة على هذه الأفعال. هناك تقرير عن السيرة الذاتية” Cambio de rumbo” للجنرال إجناسيو هيدالغو دي سيسنيروس Ignacio Hidalgo de Cisneros، والذي أعرب فيه عن فخره بكونه أول طيار أسقط قنبلة غاز الخردل 100 كلغ من طائرته على قبائل الريف في صيف عام 1924.وقد نُشر كتابه Kurswechsel باللغة الألمانية عام 1973 في برلين.ويمكن للمرء ان يطلع أيضاً على دراسة أخرى باللغة الألمانية كتبها روديبرتكونزRudibert Kunz بعنوان “الغازات السامة ضد عبد الكريم” Giftgas gegen Abdel Krim (Freiburg 1990). وهناك كذلك كتاب ميمون شرقي بالفرنسية: Armes chimiques de destruction massive sur le Rif (الرباط 2014).ولو لم تكن أسلحة الدمار الشامل الألمانية، التي تم حظرها رسمياً من قبل المجتمع الدولي، لما تمكنت إسبانيا من الانتصار في حرب الريف، هي وحليفتها فرنسا بالطبع.

ونظراً للأضرار الخطيرة التي أحدثتها هذه الأسلحة الكيماوية السامة، فليس من المستغرب أن نجد معدل الإصابات بالسرطان في مناطق الريف هو معدا مرتفع للغاية حتى يومنا هذا.وتقوم بعض الجمعيات والأحزاب على جانبي البحر الأبيض المتوسط ​​الآن بحملات من أجل الحصول على اعتراف إسبانيا بمسؤوليتها في استخدام هذه الأسلحة الكيميائية خلال حرب الريف.ولقد حان الوقت الآن لتأسيس جمعية تدعو ألمانيا كذلك إلى الاعتراف بمسؤوليتها في هذه الحرب الكيماوية ودفع تعويضات لسكان الريف.

الاعتداء الرابع

كما أساءت ألمانيا إلى المغرب فيما يتعلق بمؤتمر ليبيا الذي نظم في برلين في 19 يناير 2020. فقد تم إقصاء المملكة المغربية عن قصد من هذا المؤتمر، على الرغم من مشاركتها الإيجابية والبناءة لعدة سنواتفي عملية المصالحة بين الأطراف الليبية المتحاربة. ولم يكن خافياً على المانيا أن المغرب قد نظم عدةاجتماعات بصفة منتظمة بين مختلف الجهات الفاعلة في الصراع في مدينتي الصخيرات وبوزنيقة، مما أدى إلىالاقتراب من تسوية مشاكل إسخواننا الليبيين. والغريب في الأمر هو ان ألمانيا بدلاً من دعوة المغرب لحضور هذا المؤتمر، دعت الجزائر  التي لم تفعل أيشيء لجمع شمل الليبيين.كان الإقصاء غير المبرر للمغرب،والدعوة غير المبررة إلى الجزائر، إهانة كبيرة للمملكة وزلة دبلوماسية خطيرة كان ينبغي أن تؤدي إلى استقالة وزير الخارجية الألماني ونهاية مسيرته السياسية.

الاعتداء الخامس

وأما ما يتعلق بموضوع الساعة وأزمة العلاقات بين ألمانيا والمغرب، والتي ترجع بشكل أساسي إلى قضية الصحراء، فإن الغريب في الأمر هو أن المسؤولين الألمان يتعاملون مع المغرب مع أنهم يتجاهلون تاريخ المغرب. فللتذكير، فإن مؤتمر برلين هو الذي أجاز استعمار الصحراء المغربية من طرف إسبانيا، وكذلك يتجاهلونأن إنهاء الاستعمار في المغرب كان تدريجياً واستمر لعدة عقود. إنهم يتجاهلون حقيقة الاستفتاء المزعوم حول الصحراء المغربية، وأنه من المستحيل إجراؤه،لأن أغلب سكان هذه الناطق رحل وبدو عابرون للحدود. وما يتجاهلهالألمان كذلك هو أن مختلفالفاعلين والفضوليين لن يجدوا أبداً إجماعاً على اللوائح الانتخابية. ثملا يتذكرونأن الصراع يعود إلى حقبة الحرب الباردة، وأنه استمر لفترة طويلة جداً، مما يعني أن معاناة أهل الصحراء المحاصرين في الجزائر آخذة في الازدياد.

لقد أثر النظام العسكري الجزائري في هذا الصراع بدعم من المعسكر الشيوعي لاستغلال شعبه وثروة الجزائر لصالح جنرالاته. فلا عجب أن الجماهير الجزائرية التي تتظاهر كل جمعة تطالب بأسقاط النظام العسكري.ولذلك، فإن أي حل للصحراء المغربية لا يراعي سيادة المغرب، من شأنه أن يؤدي إلى عدم الاستقرار في المنطقة، وتفشي الإرهاب وموجات الهجرة. ولذلك يكون من الأجدى في مثل هذه الحالة التفكير والتصرف بواقعية وعدم الدعوة لاستفتاء مستحيل، بل إن الواقعية تقتضي دراسة الحل الأخر الذي يقترحه مجلس الأمن، وهو إمكانية التوصل إلى حل سلمي لقضية الصحراء المغربية. يأخذ بعين الاعتبار الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب.

وأضيف إلى أن السياسيين الألمان المشار اليهم أعلاه يتجاهلون أيضاً أن الدولة المستعمرة يمكنها تسليم الأراضي المستعمرة دون استفتاء، أي فقط على أساس معاهدة، كما فعلت بريطانيا العظمى مع الصين في حالة هونغ كونغ. وقد احترمت إسبانيا والمغرب نفس الإجراءات القانونية الدولية في معاهدة مدريد في 14 نوفمبر 1975، فاتفقت الدولتان فيها على إعادة الصحراء إلى المغرب.فقد وقعت إسبانيا على معاهدة مدريد لإنهاء استعمار “الصحراء الإسبانية” سابقاً، وصادقت عليها إسبانيا والمغرب وموريتانيا.  وهو دليل على أن هذه الدول فقط هي المعنية حصرياً، ولا يوجد بلد آخر،ولا طرف آخر يهمه الأمر في شمال إفريقيا.

لقد شكلت هذه المنطقة في أغلب الأحيان وحدة وطنية: المغرب – الصحراء – موريتانيا. ولذلك كان من المنطقي أن تتم إعادة هذه المنطقة إلى المغرب وموريتانيا. لكن بعد مرور مدة قصيرة، تخلت موريتانيا عن هذه العملية، فأصبح المغرب البلد الوحيدالمعني باسترجاع الصحراء وإنهاء الاستعمارفيها، وذلك بسبب الروابط التاريخية والبيعة التي تربط القبائل الصحراوية بالدولة العلوية منذ قرون عدة. وقد تم توثيق ذلك أيضاً من خلال فتوى محكمة العدل الدولية في لاهاي في 16 أكتوبر 1975، والتي أقرت فيها أنه قبل فترة طويلة من الاستعمار الإسباني للصحراء المغربية، كانت هناك علاقات الولاء قائمة بين سلطان المغرب وقبائل هذه المنطقة.

ونتيجة لذلك، خلص المغرب إلى أن علاقات الولاء هذه تشكل الأساس القانوني لسيادته على مناطقه الصحراوية،بحكم الشريعة الإسلامية المؤطرة للعلاقات بين الدولة العلوية والقبائل المغربية. وكانت تصفية الاستعمار هذه تصفية جاءت بعد عدة تصفيات للاستعمار اتفقت عليها إسبانيا مع المغرب. نذكر منها مناطق شمال المملكة (7 أبريل 1956)، ثم مدينة طنجة (29 أكتوبر 1956)، ثم طرفاية (رأس جوبي، 1958)، ثم سيدي إفني (1969).  فلماذا لم تحتج ألمانيا على هذه الاتفاقات؟ لماذا التزمت الحكومة الفيدرالية الصمت؟ولماذا لم تطالب بتنظيم استفتاء قبل كل محطة من محطات تصفية الاستعمار في المناطق المغربية؟ فجمهورية ألمانيا الاتحادية كانت قائمة آنذاك، كما هو معروف، وذلك منذ عام 1949! وعلاوة على هذا كله، ازدادت اعتداءات ألمانيا على المغرب سوءاً عندما أعلنت الولايات المتحدة الاعتراف بـ”الصحراء الغربية” كأراض مغربية، وعن إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والمغرب، أصيبت الحكومة الفيدرالية بالفزع مرة أخرى.  فبينما أرادت بعض الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا وإسبانيا وهولندا، انتهاز هذه الفرصة لمناشدة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لدراسة حل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بحيث يمكن أن يعود الهدوء أخيراً إلى هذه المناطق الاستراتيجية لأوروبا،اتخذت ألمانيا موقفاً متصلباً وتمنعت، مع أنها ليست إلا عضواً مؤقتاً في مجلس الأمن. وقد كانت أول دولة تدعو بشدة إلى إجراء استفتاء، مع أن هذا الاستفتاء تم الاستغناء عنه منذ عدة عقود، بعد فشل الطرح الانتخابي كما هو معروف.  فألمانيا لم تأخذ بعين الاعتبار العواقب السلبية على أوروبا، وخاصة بالنسبة لألمانيا، التي تحظى بشعبية كبيرة بين اللاجئين والحراكين.

 الاعتداء السادس

وجهت المانيا الضربة القاضية للمغرب خلال الزيارة التي قامت بها المستشارة أنجيلا ميركل إلى الجزائر في يوليو 2008. كانت تلك الزيارة هي زيارة عمل تقربت فيها ميركل من النظام العسكري الذي فرض ديكتاتوريته على الشعب الجزائري منذ استقلال الجزائر عام 1962.

وبهذه المناسبة أبرمت ما سمته “تحالفًاً استراتيجيًاً” مع المجلس العسكري الحاكم: النفط والغاز الجزائريين مقابل أحدث أسلحة حرب تنتجها المانيا.

واتفقت مع العسكر على تعاون عسكري شامل (أكثر من 12 مليار يورو) ينص على بيع السفن الحربية وبناء مصنع أسلحة متطور في الجزائر، يشرف عليه متخصصون ألمان بهدف إنتاج أفضل الدبابات في العالم. ويتعلق الأمر بدبابة “فوكس 2” FUCHS 2) )الشهيرة، بمعدل 120 دبابة في السنة! تلك الدبابات ذات الجودة العالية مطلوبة حتى من قبل الولايات المتحدة! فأنتج المصنع بالفعل 120 دبابة في عام 2018 و 120 اخرى في عام 2019. ومن المقرر إنتاج 1200 دبابة من هذا النوع في خلال عشر سنوات.

وتجدر الإشارة إلى أن كلمة “فوكس” تعني “ثعلب”.  وهي تذكر “بالملحمة الألمانية الشهيرة” في شمال إفريقيا أثناء الحرب العالمية الثانية للجنرال الألماني “روميل”ROMMEL الذي كان يلقب بـ “ثعلب الصحراء” (Wüstenfuchs).

يا له من إحساس رائع يشعر به اولئك الأشخاص الذين يحنون إلى زمن النازية حينما يرون الدبابات الألمانية وهي تخترق مرة أخرى صحراء شمال إفريقيا بدون أية مقاومة تذكر!  يا لها من مشاعر الفخر عندما يكتشفون ذاك الشعار الخاص بـ “Afrikakorps” ، الجيش النازي الإفريقي، ويتمتعون برؤية الصليب المعقوف منتصبا أمام شجرة نخيل الشرقية، وأطرافها منمقة على صورة مخالب النسر الألماني!

ولحد الان ما يزال هذا التعاون يعمل بشكل جيد للغاية ويتم تعزيزه باستمرار، لدرجة أن الجزائر أصبحت المستورد الرئيسي للمواد الحربية المصنوعة في ألمانيا، وذلك منذ عدة سنوات.

ونذكر هنا أن الحراك الجزائري، تلك الانتفاضة الاحتجاجية التي تدعو إلى سقوط النظام العسكري وإرساء سيادة القانون، تحاسب المسؤولين بانتظام. يجب أيضًا تنظيم حملة مماثلة في ألمانيا للتحقيق في الحالات المحتملة للراشين وكذلك المرتشين في فريق أنجيلا ميركل. قد يكون لقضايا الفساد المؤكدة والآثار التي تم إثباتها في الجزائر، والمتعلقة بهذه الصفقات الضخمة، عواقب في ألمانيا. من يدري؟

ولكي تحقق حكومة ميركل أهدافها المشؤومة لم تتردد في انتهاك الدستور الألماني عمداً، والذي يقر في ديباجته على أنه يتوجب على الدولة ان تعمل من أجل ترسيخ السلام في العالم: “demFrieden in der Weltdienen”.

كما أن ميركل تسخر كذلك من المبادئ التي حددتها الحكومات الألمانية في وثائقها الرسمية لتنظيم هذه المعاملات ذات الحساسية الشديدة. فيمنع منعاً باتاً تصدير الأسلحة إلى الدول التي لا تحترم حقوق الإنسان،ولا تعترف بضمان السلام كمبدأ أساسي. كما يحظر تصدير الأسلحة إلى المناطق المعرضة للخطر، أي إلى المناطق التي يحتمل أن ينشب فيها نزاع مسلح (المغرب – الجزائر). ويوصي مبدأ آخر معترف به بعدم تصدير الأسلحة الألمانية إذا كان هناك خطر إعادة تصديرها أو تسليمها لدولة أخرى أو إلى كيان آخر (البوليساريو!)

وبدون ان ندخل في التفاصيل، تجدر الإشارة إلى أنه وفقًا للمبادئ الألمانية المعمول بها، يُحظر رسميًا تصدير أي أسلحة إذا كانت علاقات ألمانيا جيدة مع دولة أخرى مهمة بالنسبة لها قد تتعرض للتدهور، وهو حالة العلاقات الجيدة بين المغرب وألمانيا. هذا ما كنا نظنه الى حد الان.

وفي نهاية المطاف، فإن”مجلس الأمن الفيدرالي” هو الذي يقرر في كل هذه الشؤون. وهو مكون من تسعة أعضاء دائمين، من بينهم المستشارة أنجيلا ميركل. ومن بين الوزراء الحاضرين الدائمين وزراء الخارجية والمالية والدفاع والتنمية. وشأن هذا المجلس شأن “مجلس حرب”. تكون مداولاته سرية، ولا تخضع قراراته لأية رقابة برلمانية أو غير ذلك. والغريب في الأمر هو ان الدستور يضمن تلك السرية. وكذلك لا يتم إبلاغ الرأي العام بمواعيد الجلسات المغلقة. وتعتبر محاضر الجلسات من أسرار الدولة الدفينة.

وبالنسبة للمغرب، من المهم الإشارة إلى أن أربعة أطراف تقف وراء هذه القرارات العدائية للملكة، وهي: الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU، والاتحاد الاجتماعي المسيحي CSU، والحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD. و الحزب الديمقراطي الحر FDP.

وهذه الأحزاب ممثلة في المغرب من خلال جمعياتها، وهي:

كونراد- أديناور- شتيفتونغ، Konrad-Adenauer-Stiftung

وهانز- زايدل – شتيفتونغ،  Hanns-Seidel-Stiftung

وفريدريش إيبرت – شتيفتونغ، Friedrich-Ebert-Stiftung

وفريدريش ناومان، Friedrich-Naumann-Stiftung

ولذلك من الواجب أن نحترس من كل الجمعيات Stiftungen الألمانية الممثلة في المغرب.

ولكي نضع اللمسة الأخيرة على هذه الصورة الكئيبة ، دعونا نستشهدبالانتقادات الحادة التي عبّر عنها حزب “الخضر” الألماني: “إن تسليم مصنع دبابات إلى الجزائر هو خرق غير مسؤول وغير مسبوق للسياسة الألمانية المعتمد عليها لحد الان في مجال تصدير الأسلحة”.

هذا ما صرحت به المتحدثة باسم سياسة الأمن ونزع السلاح لحزب “الخضر”،  أغنيسكابروغر، AgnieszkaBrugger

ثم استردت قائلة:”وبموجب هذا الاتفاق فإن الحكومة الألمانية تسمح لنظام استبدادي يهيمن عليه الجيش، نظام يدوس حقوق الإنسانبمدرعاته، تسمح اه اذا ان ينتج الدبابات بمفرده وبوسائله الخاصة، وذلك لأول مرة.وهذا يتناقض تماما مع التوجيهات الألمانية بشأن تصدير الأسلحة.” (انظر جريدة ” هاندلسبلات ” Handelsblatt   بتاريخ 18/06/2014).

ولكي نفهم أن هذه الخطوة الألمانية الجزائرية تستهدف المغرب على الخصوص، فمن الضروري ان نتعرف على الموقع الإستراتيجي لهذا المعمل الخطير. فلقد تم بناؤه بعيدًا جدا عن الحدود المغربية، أي على بعد 400 كيلومتر شرق الجزائر العاصمة، بعيدًا عن متناول تهديد محتمل من المملكة. لكن النظام العسكري الجزائري والخبراء الألمان المتحالفين معه لم يفطنوا الى أن تونس تضررت أيضًا كثيرا من تعنت الجنرالات وتشبتهم بالحدود التي خلفها الإستعمارالفرنسي، والتي يدافعون عنها بغيرة وشراسة.

أما فيما يخص العلاقات بين المغرب وألمانيا، فإنه من الواضح أن المملكة لا تتعامل مع عدوة عدوي (المجلس العسكري الجزائري)، كما نقول عادة، ولكن تتعامل مع صديقة عدوي. أي جزائر الجنرالات، ولا جزائر الشعب الجزائري الشقيق.

خلاصة القول

لقد ظلمت ألمانيا المغرب عدة مرات؛ فقد أجازت استعمار مناطقه الصحراوية في مؤتمر برلين (1885). وهددت المملكة باستعمارها (أكادير، 1911). ثم شنت حرباً كيميائية غير مباشرة ضد المغرب (1921-1927). وماذا فعلت الحكومة الفيدرالية مؤخرا؟ لقد استبعدت بشكل تعسفي المغرب من المؤتمر الخاص بليبيا، رغم أنها كانت تعلم جيداً أن هذا البلد هو الأكثر مشاركة في عملية المصالحة بين الليبيين قبل أي دولة أخرى في شمال إفريقيا. بالإضافة إلى ذلك، اعترضت على إنهاء استعمار منطقة الصحراء لصالح المغرب، على النحو المتفق عليه في معاهدة مدريد،على الرغم من أن هذا الاتفاق قد تم التصديق عليه بالفعل بأغلبية ساحقة من قبل البرلمان الإسباني، ومن طرف “الجماعة الصحراوية” التي تمثل قبائل المنطقة.

وأخطر وأعنف ضربة وجهتها المانيا إلى المغرب هي تلك “المعاهدة الاستراتيجية” بين المانيا والعسكر الجزائري ضد المملكة.

إن على المغرب مناشدة القضاء الدولي لتوجيه الاتهام إلى ألمانياوتقديمها الى العدالة نظراًللجرائم التي اقترفتها، ومطالبتهابدفع تعويضات للمملكة عامة، ولسكان الريف على الخصوص. وعلى المغرب كذلك ان يبحث في خفايا وتداعيات صفقة القرن بين المانيا والعسكر الجزائري، وان يعي بان القضية خطيرة وانه من الممكن ان يحقق القضاء الألماني في ملابساتها.

—————————

* فوزي بوبيه كاتب وفيلسوف متخصص في العلاقات بين الشرق والغرب. له كتب باللغة الألمانية، والفرنسية والعربية.

المنشورات الحديثة:

“Von Deutschland lernen: Goethe und Hegel

Mit einem Geleitwort von Hans Christoph BuchPalmArtPress, Berlin, 2021، 320 صفحة،

كتب كذلك رواية عن إقصاء الأجانب في ألمانيا:

“Ich bin einMigrationshintergrund”. ومن المقرر نشرها في عام 2022 من قبل نفس الناشر.

وفي ذكرى والدي المقاوم والمؤرخ السي احمد بوبية، تجدر الإشارة إلى كتابه “قبائل زمور والحركة الوطنية”، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة بحوث ودراسات رقم 38، الرباط، 2003، 720 صفحة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • Naima Ziri
    منذ 3 سنوات

    ألف شكر أستاذ وهنيئا لكم و لنا على فكركم المتميز و وطنيتكم الصادقة التي لا تباع و لا تشترى

  • BADIS
    منذ 3 سنوات

    ماذا قالت ألمانيا حتى يستدعي كل هذا الصراخ و التهويل المغرب ساق دول أفريقية كالقطيع بالرشوة إلى فتح قنصليات لها في الصحراء الغربية علما أن بعض هذه الدول ليست لها سفارات في الرباط . بعدها جاءت نشوة الانتصار بتغريدة ترامب و موضوع ألمانيا جاء لما اكتشف المغرب أن اوروبا ما تمشيش معاه. انصدم و بدا يطرش من التخبط الذي لا مثيل له. حاسب الناس مغفلين. هذه الدنيا لن يكتب لها البقاء لأا بوجود بشر شرفاء و ألمانيا فيها كثير من الشرفاء

  • إلياس
    منذ 3 سنوات

    رحت تنبش في 1885. لو زدت شوية و رحت 1200 أحسن لك يا أخي المغرب يناكف ألمانيا و يتحدث عن سوء تفاهم عميق. ألمانيا أخر شيئ تفكر فيه هو كيف ينظر المغرب إليها و بعدين الألمان الذي كدو و اجتهدو و ميركل التي اعتذرت للأمان عن انقطاع الكهرباء عندهم خمس دقائق بلد متخلف مثل المغرب يريد أن يملي عليها ما يجب أن تفعله و ما يجب أن لا تفعله. لله في خلقه شؤون