وجهة نظر

حديث الفكر والسياسة المغرب بين الليبرالية والإسلامية

22 سبتمبر 2021 - 19:15

هل يمكننا الحديث من خلال نتائح إنتخابات 8 شتنبر الأخيرة في بلادنا، أن المغرب انتقل فعلا من الإسلامية إلى الليبرالية ؟، سؤال يمكن اعتباره وجيها من باب حق الٱخر في الرأي ، لكن بتحفظ كبير مرده إلى عدة أسباب لا تجد صداها لا في الفلسفة السياسية الليبرالية ، و لا في منافستها الفلسفة السياسية الإسلامية ، لأن الأحزاب الممثلة للمرجعيتين لا علاقة لهم بهما .

و حتى ننتهي من تصريحات السياسيين التي يروم من خلالها كل ذي مرجعية تحقيق غاية في نفسه ، لا بأس من التذكير بأن العقل الإسلامي و الليبرالي قد أنتجا عدة مفاهيم لقيت صداها في الجغرافيا التي عملت على التنزيل السليم للقيم التي نادت بهما كلا المرجعيتين ، و عاش في كنفهما الإنسان حياة ملأها الكرامة و الحرية والعدالة الاجتماعية بمقدار .

و إذا كانت اللِّيبرالية كتوجه فلسفي سياسي لها رأي تأسست عليه أصلا يدعم أفكارا مثل الحرية والمساواة ، فإن الليبراليون في أوروبا و أمريكا قد تفاعلوا بشكل إيجابي مع مقولات فلاسفتهم الذين يعد “جون لوك” على رأسهم ، هذا الأخير الذي يمكن اعتباره أحد أبرز المساهمين الأوائل في التنظير لليبرالية السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية بصفة عامة و عن جدارة و استحقاق، حيث نجد أن البلدان التي تبنت أفكاره و باقي المفكرين الغربيين الداعمة لحرية التعبير، وحرية الصحافة، والحرية الدينية ، والسوق الحر، والحقوق المدنية، و الديمقراطية، و الحكومات العلمانية قد انتقلت فعلا من أنظمة شمولية ، إلى أنظمة ليبرالية ديموقراطية كتب لها الحياة تحت عنوان سيادة القانون على الجميع ، و على حد سواء بين مواطني دولهم دون تمييز .

و في المقابل أيضا ، نجد أن الرأي الفلسفي السياسي الإسلامي يدعم أيضا الحريات ، لكنه يعمل على ضبطها حتى لا تصل حد التطرف ، ذلك أن الإعتدال و الوسطية من القيم الأساسية التي بني عليهما الفكر السياسي الإسلامي البعيد جدا عن الكهنوتية المسيحية التي أفرزت العلمانية ، و هنا يمكننا أن نعتبر أن المرجعية الإسلامية تفوقت على نظيرتها الليبرالية من حيث خدمة الإنسان الذي اعتبرته مركز الكون ، و يستحق أن يعيش بعيدا عن الحرية المفرطة المفضية إلى تحطيم شبكة العلاقات الإجتماعية العامة ، و أيضا التغول الإقتصادي المفضي بالضرورة إلى الإحتكار و الإستغلال و جعل المال يتمركز بين فئة دون باقي الفئات الأخرى.

لقد برزت الليبرالية كحركة سياسية في عصر النهضة و الأنوار ، حيث حظيت بشعبية لا نظير لها بين الفلاسفة والاقتصاديين في العالم الغربي ، لأنها ببساطة كانت ترفض المفاهيم الشائعة العثيقة في ذلك الوقت كمفهوم الإمتياز الوراثي، و الدين و علاقته بالدولة، والملكية المطلقة ، والحق الإلهي للملوك ، ذلك أن هذا التطور الذي وصل إليه العقل الغربي سياسيا و اقتصاديا ، لا يجب أن يجعلنا نغفل أنه نتاج التلاقح الحضاري بين الأوربيين و حضارة المسلمين الذين استفادوا منها ، فالفرنسي “جاك لوكوف” على سبيل المثال اعترف بكل موضوعية من خلال كتابه ” نحو عصر وسيط ٱخر ” أن المسلمين أفادوا الإنسانية كثيرا ، و أمدوها بكل مقومات التفكير السليم ، و أن العصر الوسيط الأوروبي الذي كان مظلما ، كان مستنيرا فكريا و سياسيا و اقتصاديا لدى الضفة الأخرى أي المسلمين ، خاصة إذا علمنا أن قصة الحضارة الإنسانية تعثبر إرثا إنسانيا عالميا شارك في إبداعه بني البشر جميعهم منذ ٱدم عليه السلام إلى يومنا هذا .

لقد قاد في القرن السابع عشر “جون لوك” الجدال بكل حرية حول الحق الطبيعي للإنسان في الحياة الكريمة من جهة ، والحرية من جهة أخرى ، حيث ألح في تنظيراته على الحكومات بألاّ تنتهك هذه الحقوق باعتبارها تعاقدا اجتماعيا للعيش الإنساني ، لذلك ظل الليبراليون يعارضون المُحافَظة التقليدية ، ويسعون على الدوام إلى تغيير الحكم الديكتاتوري المطلق بديمقراطية تمثيلية أساسها سيادة القانون.

السؤال الذي يطرح ذاته الٱن و بقوة هو ، هل الليبراليون المغاربة يستطيعون اليوم تمثل قيم الليبرالية كما هي في أوربا و أمريكا ؟ ، أم أن انتصار 8 شتنبر سيجعلهم يدخلوننا في نقاش عقيم ، الأصل فيه المزيد من تشويه حزب العدالة و التنمية الذي يعتبر الكثير من المراقبين أن تبنيه للمرجعية الإسلامية محض افتراء ليس إلا ؟ .

أتمنى التوفيق لمن سيتقلد مسؤولية التسيير حكوميا و محليا، و الأيام و الشهور و السنوات القادمة ستشهد على مدى صدق شعارات ليبراليتهم ، لكن الذي لا يجب أن يتناساه أحد ، هو أن الدين الرسمي للدولة المغربية هو الإسلام ، و أن المغاربة لا يتسامحون مع من يتعمد المساس بدينهم ، و محاولة تشويهه يعتبرونه خطا أحمرا ، و أن ما يجمعنا هو القيم الوطنية التي من حق أي طرف أن يفهمها انطلاقا من مرجعيته ، خاصة و أننا جميعا يجب أن نؤمن بالديموقراطية و صناديق الإقتراع و ما تفرزها.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

طبول الحرب.. ماذا لو تجرأ الحقد على الأمل!!‎

وجهة نظر

ما مقارباتنا التربوية بمدرستنا المغربية ؟

وجهة نظر

أريج في عيون فلسطين

تابعنا على