وجهة نظر

قراءة في خطاب المسيرة !

09 نوفمبر 2021 - 00:22

1 – مضامين الخطاب : شكل خطاب العاهل المغربي محمد السادس بمناسبة مرور الذكري السادسة والعشرين للمسيرة الخضراء حدثا استثنائيا على الصُّعُد الوطنية والإقليمية والدولية، بفعل سياق الأحداث المتسارعة والمفتعلة ذات الصلة بالوحدة الترابية للمملكة، ولعل عددا غير قليل من “المختصين” العرب والأجانب كانوا ينتظرون نزعة تصعيدية أو ميلا نحو العنف اللغوي أو الدبلوماسي في هذا الخطاب السياسي النوعي، من أجل إشباع الرغبة في الفرجة وكسب مزيد من منسوب التصعيد والإثارة .. غير أن الملك حطم أفق انتظار أنصار التهييج المحموم، فجاء خطابه متسما بالقيم ومستلزمات الخطب السياسية الراقية، فمن حيث الشكل لم يتعد النص 672 كلمة، تضمن خمس فقرات قصيرة الحجم عميقة الدلالة، يمكن اختزال وحداتها المضمونية في: الحقيقة الثابتة لمغربية الصحراء تاريخيا وشرعيا، وتأمين حرية تنقل الأشخاص والبضائع بممر الكركارات، إثر تدخل القوات المسلحة الملكية لوضع حد لاعتداءات واستفزازات الخصوم، ضرورة الالتزام بمرجعيات أكدتها قرارات مجلس الأمن منذ 2007، وتعميق مسار التنمية المتواصلة لأقاليمنا الجنوبية، وجوهر الوحدة الوطنية للمملكة المتمثلة في قضية الصحراء المغربية.

2 – احترام الوحدة الترابية معيار الشراكة مع المغرب: أما على مستوى البنية الداخلية لهذا الخطاب التاريخي فيمكن أن نستحضر دلالات ورسائل وأبعاد أقلها أن قضية الصحراء قد حسمت لصالح المغرب بشكل نهائي، إثر تطورات بالغة القيمة التي شهدها الوضع السياسي والتنموي في أقاليمنا الجنوبية، إذ فضلا عن الاعتراف الأمريكي ومجموعة من الدول الوازنة بمغربية الصحراء، أضحت هذه الأقاليم ورشة كبرى للتجهيز والتعمير في مضمار البنية التحتية والمشاريع الماكرو- قتصادية عالية الجودة من طرق ومرافق عمومية وأمن ورواج تجاري .. تماما كما هو الشأن بالنسبة لباقي الأقاليم المغربية العزيزة، وأيضا الممارسة السياسية الحماسية المألوفة في الاستحقاقات البرلمانية والجهوية والجماعية، كل ذلك في إطار التزام المملكة بالقوانين الدولية والتمسك بالخيار السلمي وبوقف إطلاق النار، مع التنسيق المنضبط مع بعثة المينورسو. مما يعني من جملة ما يعني أن الدول التي تعد شريكا للمغرب في ميدان التجارة الدولية والتي لدينا معها اتفاقات وشراكات مقررة، عليها أن تتخذ مواقف بالغة الوضوح والمباشرة في شأن الوحدة الترابية للمملكة المغربية، لم يعد هناك مجال للضبابية والتردد ووضع قدم هنا وقدم “هناك”، فالزمن الذي كان فيه بعض الشركاء الدوليين يأخذون من المغرب ما يشاؤون ويرفضون ما يرغبون قد ولى، فلا شراكة من دون ثقة واحترام متبادل وعمل مشترك في سياق الثوابت المغربية المقدسة وعلى رأسها الوحدة الترابية.

3 – من أجل اتحاد مغاربي موحد ومزدهر: وبنفس الرؤية والتوجه، تحدو المغرب رغبة جامحة في العمل المغاربي الملموس والمبلور على أرض الواقع ، فبقدر ما أنه حقق نجاحات معتبرة في سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية مفصلية بشهادة الخبراء الدوليين والمواطنين الجزائريين الأحرار، بقدر ما أنه يطمح إلى أن تسير كل الشعوب المغاربية الخمسة في اتجاه الرقي والوحدة والتقدم والازدهار، بعيدا عن الاصطفافات غير الراجحة والتخندق وراء أوهام ومسلكيات لا تاريخية ! إن الاتحاد المغاربي المعطل عن العمل بفعل من يدعى “القوة الضاربة” في المنطقة، يمكن إحياؤه من جديد بإرادة جماعية صادقة، وتحويله بسرعة أسطورية إلى وحدة اقتصادية إقليمية ذات إشعاع دولي أكيد، للإمكانات الطبيعية والجيو-ستراتيجية والبشرية .. التي نتوفر عليها، فالقوة الضاربة التي تسعى إليها الأمم الحديثة العهد والراسخة في عمق التاريخ تتبلور في إقامة المشاريع المستقبلية العملاقة بيئيا واقتصاديا وتجاريا وعسكريا فليس بالسلاح وحده يعيش الإنسان، ومعلوم أن الاتحاد السوفياتي رغم ترسانته العسكرية الرهيبة على الصعيد الدولي هزم نفسه بنفسه، لكن من يستخلص دروس وعبر التاريخ ورسائل الأمم؟

4 – من يرفض السلام لا يقوى على الحرب: ومن الملاحظ أن هذا الخطاب الملكي الذي تزامن مع سلسلة من “الأحداث” والقرارات العدوانية الصادرة عن النظام العسكري الجزائري، من قبيل قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، وتشديد المراقبة الأمنية على الحدود، وغلق الحدود الجوية في وجه الطائرات المدنية والعسكرية المغربية، ورفض تجديد عقد ضخ الغاز المار إلى إسبانيا عبر المملكة .. قلت على الرغم من هذا الهجوم الكيدي النزق إلا أن خطاب المسيرة لم يعر أي انتباه لها (الأحداث) على اعتبار أنها لا ترقى إلى مستوى الحدث بالمفهوم الأخلاقي والقانوني ، وبالتالي فهي قلبا وقالبا (لا حدث) تسعى إلى التشويش والتصعيد وتوجيه اتهامات باطلة متهافتة، لإلهاء الشعب الجزائري الشقيق، وإبعاده عن الانشغال بمشاكله الحياتية اليومية التي طالب بها الحراك الشعبي العظيم، من توزيع عادل للثروة وتوفير المواد الغذائية الضرورية وضمان الحرية والعدالة والعيش الكريم، أما الاصطياد في الماء العكر، وأما البحث المضني عن الفتن والحروب والمواجهات العنيفة .. فهي من طبيعة نظام عسكري بائد لا يقوى على الحياة في مناخ السلم والأخوة والتعايش والانفتاح.. !

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

في الحاجة إلى إحياء عمل حزبي جاد..

وجهة نظر

التعليم المدرسي الخصوصي بعيون مجلس المنافسة

وجهة نظر

إسرائيل ونَفَس المغرب الطويل

تابعنا على