وجهة نظر

مدى مشروعية إلزام الموظف الجمركي بساعات العمل الإضافية

10 نوفمبر 2021 - 18:06

كشف أحد المواقع الإلكترونية يوم السادس من نوفمبر الماضي عن قيام السيد المدير العام لإدارة الجمارك بتوجيه مذكرة إلى المديرين الجهويين للجمارك بمينائي الدار البيضاء وطنجة المتوسط، ينتقد من خلالها ما وصفه بـ”تسجيل تباطؤ بعض الأعوان في القيام بالمراقبات أو تركها بمجرد قرب انتهاء دوامهم” داعيا في الوقت ذاته إلى “حث المصالح التابعة لهم على ضرورة إنجاز المراقبات الجمركية بالسرعة والدقة  اللازمتين، والعمل على إتمامها حتى بعد انتهاء فترة الدوام، تحت طائلة المتابعات التأديبية على أي تراخ أو تهاون في هذا الإطار”

ولقد شكل هذا القرار من وجهة نظرنا خروجا عن المشروعية لاعتبارات أهمها:

– القصور في فهم النص القانوني: ذلك أن الفصل السادس من النظام الأساسي لهيئة موظفي الجمارك الذي يقول في مطلعه: “يدعى موظفو إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة لممارسة مهامهم ، بالإضافة إلى الأوقات العادية ، بالليل والنهار وخلال أيام العطل ، إذا اقتضت ضرورة المصلحة ذلك.” إنما يراد به استمرار المرفق العمومي حتى لا تنقطع الخدمات الضرورية في بعض المصالح الجمركية الحساسة مثل المطارات والمحطات البحرية وكذا منافذ الحراسة، بما يستدعي توفير المناوبة في أمكنة المداومة تلك، عن طريق تقسيم ساعات اليوم بين الموظفين في حدود ثمان ساعات لكل موظف وفقا للمبادئ العامة المقررة في الوظيفة العمومية. وهو مقتضى الشرع الذي يوافق العقل لتحقيق التوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية التي تقتضي الحفاظ على صحة الموظف من جهة وتمكينه من القيام بالتزاماته الأسرية من جهة ثانية.

– الإفراط في التقليد: حيث تم استنساخ الفصل السادس أعلاه عن النظام الأساسي لموظفي الأمن الوطني الذي قال في مادته 15: “يمكن أن يدعى موظفو الأمن الوطني لمزاولة وظائفهم، سواء بالنهار أو بالليل، ولو خارج أوقات العمل العادية. ويمكن أن تعوض فترات العمل المنجزة خارج أوقات العمل العادية إما بفترات للراحة أو بتعويض يؤدى لهم وفق الشروط المحددة في النصوص التنظيمية الجاري بها العمل.” على أن التعويض في إدارة الجمارك إنما يكون مقررا وفق ما تقتضيه المصلحة لا غير عن طريق فترات للراحة. ولقد ضل المشرع الجمركي عندما اقتبس الفصل المذكور، ولم ينتبه إلى أسباب النزول التي تم توضيحها ضمن النظام الأساسي للأمن في الفصل 16 الموالي بقوله: “يلزم موظفو الأمن الوطني بالتدخل، من تلقاء أنفسهم، خارج أوقات العمل العادية، لتقديم العون لكل شخص في خطر، ولمنع وزجر أي عمل من شأنه المساس بالنظام العام، ولحماية الأفراد والجماعات من الاعتداءات على الأشخاص والممتلكات. ويعتبر الموظف الذي يتدخل من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أو استنجاد من الغير، بمثابة من يمارس مهام الوظيفة بغض النظر عن الساعة التي تم فيها التدخل ومكانه وظروفه.” وهي مقتضيات تكرس للاختصاص الزمني والمحلي كحجة أمام القضاء عند الاقتضاء، الشيء الذي لا يسري على موظف الجمرك طالما ينحصر عمله في مناطق النفوذ الجمركي المؤمنة بالحراسة، وطالما كانت البضاعة لا يُخشى زوالها ولا يضر مكوثها فترة من الزمن خاصة إذا علمنا أن معظم البضائع تتطلب ترخيصا من الجهات المعنية يدحض حالة الاستعجال التي يُدعى إليها الموظف، فيكون بالتالي كل تصرف خارج الساعات القانونية بمثابة خروج عن قواعد الاختصاص الزمني.

– سوء التسيير: وذلك بالنظر لما أفرزته سياسة الحركية الانتقالية من إحباط للطاقات التي فقدت كل مقومات الطموح بفعل اقتلاعها عن محيطها الأسري، وتهجيرها إلى مناطق  بعيدة ومصالح إدارية غير معتادة ولا تتناسب مع مؤهلاتها وتكوينها، وهي أعمال تنفيرية لا تخدم مصلحة الموظف فحسب، بل تضر كذلك بالمصلحة العليا للوطن التي أثارتها المذكرة، على أن هذه الحركية الانتقالية قد تم تفعيلها قبل إصدار النظام الأساسي لهيئة موظفي الجمارك، كما تم تغيير وجهة عدد من الموظفين في ضرب صارخ لفرضية المصلحة العامة، مما يطرح التساؤل حول مدى تقيد إدارة الجمارك بالقانون.

– الإضرار بموارد الدولة: حيث تشكل الدعوة إلى تسريع البث في الملفات تحت طائلة المتابعات التأديبية، تأثيرا على إجراءات المراقبة بما يُضَيّع على خزينة الدولة موارد مالية نتيجة انفلات عدد من البضائع من المراقبة وتملصها من تصفية الرسوم الجمركية المستحقة، نظرا لقلة الوقت الكافي المخصص للمفتش الجمركي، والذي يستتبع بالضرورة وجوب تعزيز  الإدارة بالموارد البشرية اللازمة عن طريق التوظيف،  بدل إثقال كاهل الموظف بأعباء خارج التوقيت المسموح به.

ولعل مثل هذه الاعتبارات وغيرها هي ما دفعت الوزير المنتدب لدى وزيرة المالية للإشراف على مديرية الميزانية والمديرية العامة للضرائب لشغور منصب المدير العام فيها، وللإشراف كذلك على إدارة الجمارك و الضرائب غير المباشرة لغياب النجاعة في التسيير.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Toto skilatchi منذ 4 أسابيع

تحليل أو بالأحرى تشريح دقيق ، مهني و موضوعي للشطط والفوضى و الجهل المهني الذي تسير به هذه الإدارة من طرف من يحسبون أنفسهم آلهة في منأى من المحاسبة و يعبثون بالحياة الأسرية و المهنية للموظفين المغلوبين على أمرهم وكأنهم عبيد لديهم ! بوركت يمناك المرجو من رئيس الحكومة و السيدة الوزيرة الوقوف على هذاه الاختلالات الإدارية أستاذ شهيم

وداع عبدالمطلب منذ 4 أسابيع

الشكر كل الشكر للأستاذ شهيم الذي أضحى من خلال متابعته للقرارات الصادرة عن إدارة الجمارك منذ أربع سنوات، مرجعا يفتخر به كل جمركي غيور و ذلك عبر إبداء الرأي السديد و التحليل الموضوعي من الزاوية القانونية و مدى احترام هذه القرارات للقوانين الجاري بها العمل، و بالمقارنة مع ما يجب أن تكون عليه القرارات المسؤولة. هذا الإسهام يكشف الأمر الواقع المفروض.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

“الإسناد” وصف تبخيسي لجيل من كفاءات أطر الإدارة التربوية

وجهة نظر

تداعيات تصريحات أبو تريكة بشأن دعم المثلية الجنسية

وجهة نظر

أزمة الصحافة: أهي المصداقية أم الحرية أم المهنية في ظل تفشي “وباء المعلومات”؟

تابعنا على