وجهة نظر

صديقي يريد أن يصبح مغنيا أو لاعبا

28 أبريل 2022 - 10:09

حكى لي صديقي، والعهدة عليه، أنه قضى أربعين سنة وثلاثة أشهر، وهو يدرس ويقرأ ويكتب وينشر مقالاته ودراساته وبحوثه ومؤلفاته. أربعون سنة وثلاثة أشهر، وهو لا يتنفس بعد الأوكسيجين الأول إلا برائحة الورق والكتب والأقلام. فوجئت حينما قال لي، إنه حينما يتوقف عن القراءة، لسبب ما، ولو لبضعة أيام، يصاب بألم خفيف في رأسه، وقد يصبح ألما حادا، إن لم يعد إلى مكتبته للقراءة والكتابة وشم رائحة الكتب. أصبح، من السهل عليه، أن يتنقل ويتجول بين دفتي الكتب. يقرأ ويستوعب معانيها ويؤولها كما يحلو له. صديقي هو هكذا. لا يفهم في الحياة غير الدراسة والقراءة والكتابة. فهم واحد “تلبس” به. أسئلة كثيرة أصبحت “تنفخ” رأسه. كلما أراد الاستراحة من القراءة، هاتفني لكي نرتشف كأس قهوة أو شاي في ركننا المفضل، داخل مقهى الأندلس، بشارعها الشاحب البئيس الفارغ دوما من حركة المرور.

يصرح لي دوما، والعهدة عليه، أنه أصبح يحلم أن يكون مغنيا أو لاعب كرة القدم. تعب من السفر للمشاركة في ندوات لا يجد فيها غير وجوه “مصفرة” شبيهة بوجهه الذابل . وجوه، أعياها السفر وأعيتها القراءة وطرح السؤال إلى أين السفر؟ ولماذا؟ وكيف؟. كلما قارن صديقي مصيره المالي بلاعب كرة قدم من الدرجة الثانية، وجد نفسه ينتظر ترقيته المعطلة والمشلولة بالانتظار الدائم. سألته ولماذا لا تقارن نفسك بدخل لاعب يوجد دوما في دكة الاحتياط من فريق الرجاء أو الوداد على الأقل؟. أكد لي، أنه يخاف أن يصاب بدوخة في رأسه، قد تأتي على ما تبقى فيه من رائحة الكتب القديمة والحديثة. يؤكد لي دوما أنه حينما يقرأ مبالغ بيع اللاعبين، يسأل نفسه لماذا لم يطرد من المدرسة حتى يتسنى له اللعب في الدروب والأزقة، وبعد هذا، يجد مكانه في فريق حومته ومنه يباع لفريق آخر، ويبدأ سلسلة البيع حتى ينتفخ حسابه المالي ويصبح “معبود” الجماهير حيث حلم الأطفال والنساء والرجال والشباب، التقاط صورة معه لوضعها في صفحاتهم التواصلية؟.

مرة أخرى، يصبح حلمه أن يغني ويحقق نسب مشاهدة مرتفعة، ليطير إلى بلاد العرب وعند العرب في بلاد العجم. وهنا سيصبج له مدير أعماله. لا يعرف هو غير قبض الشيكات السمينة المملوءة بأرقام لا يحلم بها حتى وإن جمع كل أجرته الشهرية ولكل سنوات اشتغاله.

صديقي، لم يعد يحلم غير أن يصبح لاعب كرة قدم أو مغنيا. قلت له، وهل في علمك أن مهنة ثالثة قد أضيفت لهاتين المهنتين وهي مهنة التأثير؟. سألني المسكين قائلا، وما التأثير؟. سألني وهو يضحك، فعرفت أنه يعرف مهنة المؤثر. قلت له، هل تتذكر حينما كنا نرسل مقالاتنا لجريدة…ونوقعها باسم مستعار؟. هل تتذكر أن حلمنا كان يتحدد فقط في نشر مقال باسمنا المستعار؟. حكيت له حكاية نشر أول مقال لي وهو موقع باسم “ابن القبيلة”، وكيف أحسست أنني أصبحت أملك كل العالم. كلما قلت لأحد أفراد عائلتي إنني صاحب المقال رد علي بسهولة:

– سير تلعب مع قرانك. وليت كاتب زعما. زيدون هذا اللي كاتب هد شي راه سميتو “ابن القبيلة”.

كان همي كيف أقنعهم أن المقال مقالي. ضحكنا، حتى التفت إلينا من كان يتابع مباراة كرة القدم بين فريقين، لم أعرف لا أنا ولا هو، أن نفك حروفهما المدونة في الجهة اليسرى من التلفزيون.

قلت له أن تصبح لاعب كرة القدم، فقد فاتك القطار. أنت الآن عجوز. لكن من الممكن أن تصبح مغنيا مشهورا، إن أنت تملك صوتا مقبولا وإعلاما ينفخ فيك “الروح”. بدأ يردد أغنية عبد الهادي بلخياط:

– أنا فقير ودراهمي معدودة.

ضحكت حتى بانت ضرستي التي لم يبق لها إلا بضعة أيام وتسقط. تساءل عن سر ضحكتي، قلت له، حتى وأنت في بداية مشوارك الفني، بدأت بأغنية محيلة على الفقر. رد علي بأنه سيقرر تغيير محيط أصدقائه. كل أصدقائه، لا يعرفون بدورهم، غير القراءة والكتابة وشم رائحة الكتب وفك ألغاز النصوص الشعرية والروائية وغيرهما.

صديقي، يعيش حالة غليان داخل عظامه الرقيقة والنحيلة. صديقي نخره زمن القراءة في زمن عربي بئيس لا يرغب إلا في وجوه حسناوات جميلات يتمايلن فوق الخشبة، ويحصدن شيكات بأرقام لا أعرف لا أنا ولا هو كيف نحولها إلى الريال المغربي؟. صديقي يعيش في زمن عربي رخو، تفتح خزائنه لمن يجيد مراوغة فوق العشب الأخضر ويسجل إصابة في الركن الأيسر، ليهتز جمهور أعياه حلم السفر لبلاد الكفر، حيث هناك سيجد الشقراء التي قد تحبه وتعيد صياغة حياته من جديد.

صديقي أعياه “الثابت والمتحول” وأرهقه “الخطاب الروائي ” ودواوين “امرئ القيس وما قاله المتنبي وروايات حنا مينة الذي أوصى أن لا يقام له حفل عزاء، بعد أن أدرك نفاق الأصدقاء وزمن تيه العرب وتناحرهم واقتتالهم. صديقي أعياه عشق الحرف وولع الاستعارات، في زمن كشف عن جسده لمن يتمايل فوق الخشبة، ولمن يسجل هدفا يجعل الناس يبكون فرحا ويتطايرون ويتعانقون، وبه تنتفخ أوداجهم المنفوخة باليتم المعرفي.

لأخفف عليه ألم السؤال، والبحث عن مهنة جديدة غير قادر عليها، لأنه لم يكن محظوظا حينما كان يرتب دوما الأول في قسمه، و”المحظوظ ” الآن، هو “الكسول” الذي طرد وتاجر أو لعب كرة القدم أو تعلم الغناء، لأنه اليوم هو من يسوق السيارات الفاخرة، أما سيارته وسيارتي، فيهما رائحة الروايات والشعر، أصيبتا بلعنة البؤس المتحدث عنه فيهما، لأخفف عليه، إذن بدأت أغني له بعض الحبات من فن العيطة :

– خل خيك يعيش راه مقاريش
– غادي لطلين نجيب فلوس خرين
– …
ضحك وتفاجأ بصوتي. قال لي غاضبا:
ولماذا لا تغني وأكون أنا مدير أعمالك؟. ماذا تفعل الآن ؟. في ليلة واحدة قد نحصل فيها على كل ما تنتظره من مستحقات مالية لترقيتك البئيسة التي تحدثني عنها كل يوم وكأنها ستنقذك من فقرك الدائم ؟.

مرة أخرى، يلتفت إلينا من كان يتابع كرة القدم. هذه المرة التفتوا إلينا وكأن حال لسانهم يقول لي :
– صوتك زوين.
حالة صديقي اليوم، خلخلة لزمننا البئيس. مرة، سألت مجموعة من الشباب عن عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن، لم يتمكنوا من معرفة بلدهم الأصلي. وحينما طلبت منهم ذكر من يلعب في فريق الريال والبارصا والرجاء والوداد، وجدتهم يعرفون حتى ثمن أجرتهم الشهرية ومبالغ بيعهم وفرقهم الأصلية وجنسياتهم…

صديقي، صوت مبحوح لن يجد راحته إلا حينما يضمه التراب في قبره. صديقي ولد عن طريق “الخطأ” في زمن عربي “ملعون” لا يحسن سوى توقيع شيك على بياض لمدرب أو لاعب أو مغنية، بينما لا يلتفت لمفكر أو كاتب أو باحث، إلا حينما يغادر دار البقاء، وهنا يتنقل فريق تلفزي، “ليجود” عليه بتقرير يرثيه فيه. تقرير لو عاد الميت لتفاجأ بما قيل عنه.

صديقي يعيش في زمن عربي، لا قيمة فيه للمفكر، إلا حينما يغادر حياته، وإن كان محظوظا، سينتشل نص من كتبه، ليدرس لأبناء بلده، بينما، وهو حي، ظل ينتظر ربحا بئيسا من عائدات كتبه التي دوما يؤكد له من نشرها، أن “الوقت صعيبه” والقارئ هجر الكتاب.

نعم، حينما يموت صديقي، سيكون نجما بارزا لبضع ثوان في التلفزيون، و”سيحتفون” بموته بل وبخلاصهم من واحد لازال يحسب على الجيل القديم. جيل لا يحب كرة القدم، كما هي اليوم، ولا غناء اليوم الذي لا يتجاوز دقائق عدد أصابع اليد الواحدة. صديقي و”أنا” كبرنا بين يدي العيطة المغربية الأصيلة وعبيدات الرما وصوت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ولمشاهب والغيون ونجاة الصغيرة وعبد الهادي بلخياط والمعطي بلقاسم. هو جيل يسير في الانقراض. جيل صنع لعبته، ولم تشتر له. جيل، عاش برضاعة أمه حولين كاملين، وبقي مستمتعا بمرافقة والدته للحمام الشعبي في الدرب إلى أن طرد من “نعيمه”، وقذف به وبألبسته الفقيرة في “رأس” الدرب، على إيقاعات أمه وهي تدافع عنه بكونه لازال طفلا لا يعرف أي شيء، ليجد نفسه، وسط أصدقائه وهم يسخرون منه. جيل تقاسم “متعة” الفقر وكبرت أحلامه في قاعات السينما، والتي هي اليوم تهوى على الأرض لتحل محلها محلات بيع “البوكاديوس” والسراويل الممزقة التي كانت عربون فقر في زمننا، لكنها اليوم عربون تقدم، “علبت” للبيع بأثمان تكاد تصل لأجرتي أو أجرة صديقي، وكأن كل خيط ممزق فيها يساوي يوم عمل عامل معلق في عمارة شاهقة، وهو ينظف زجاج مكتب سكرتيرة جميلة لمدير شركة، صيغ اسمها من حرفين أو ثلاث أحرف، لا يفكها غير الراسخين في المال، وليس في تحليل النصوص الشعرية أو الروائية، كما يفعل صديقي.

صديقي، ولادة طبيعية في زمن غير طبيعي، لن ينفع معه غير الاستمرار في شم رائحة الكتب، وكتابة وصيته الأخيرة التي عليه أن يجيدها ويوصي بأن آدميتنا فرطنا فيها يوم “بعنا” مدرستنا العمومية لغير العلم، وحل محلها الدجال وبائع الوهم والخراب وتعطيل القلب والعقل معا.

صديقي، صوت غريب في زمن مملوء بالصياح والسير في طريق التيه وخلق التفاهات التي هي نجوم ساطعة، وقد سمعنا سقطتها المدوية في اللوح المحفوظ.

صديقي، حالة فريدة من نوعها، لكونه ينتقل في القراءة والكتابة بين دفتي الأزمنة والنصوص، بسلاسة كما يفعل اللاعب أو المغني، والفرق بينهم، هو أن الفقر ينخر عظامه، بينما اللاعب والمغني وزد عليهما المؤثر، يستمتعون بحلاوة عيش، لا نقول عنه، إلا اللهم بارك لهم، وبارك أيضا لصديقي الذي أعياه زمن الانتظار.

وأنا أهم بتوديعه، أخبرته، أن روايتي عما قريب ستصدر وعلى نفقتي، بعد أن أتوصل بمستحقات ترقيتي التي أنتظرها، وقد قيل لي، إنها ستكون بين يدي عما قريب بحول الله. ضحك ضحكة جميلة، وأخبرني هي مستحقات لن تتوصل بها إلا بعد مرور حول كامل عليها حتي يتحقق فيها شرط الزكاة.

ضحكنا كطفلين صغيرين، وبقي حلم صديقي معلقا، ودعني وقال لي، لا تبخل علي بحبات من العيطة، فالشيخ والشيخة يتعاركان اليوم في بلادنا، وقد تمكنا من تقسيم “شعيبة” كل وهواه. رددت عليه:

– الكمنجة تبكي حسكه كلبي
– تابعاك ألهجوجتلنمرهجوج
– ما كينش الظليم كد لمعلم
– طلوع النجمهيحوزنا تمه

كاد صديقي أن يغمى عليه من شدة ضحكه. بشرني بأن لي مستقبل بعد تقاعدي النسبي الذي سأعض عليه بالنواجي لاسيما وحكومتنا الموقرة، وكما قرأت، ستعيد النظر في نسبية كل شيء يحيل على التقاعد.

– وأنا أودعه، غنيت له مرة أخرى:
– إلا بغيت ترشح دير الخبز فطح
– كولو لمرشح الحيط غادي يطيح
ضحك وقال لي :
– ها العار … سير فحالك عطينيتيساع

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

لماذا لم تفعل المحكمة الدستورية مسطرة التواجهية لفائدة عامل إقليم الحسيمة؟

وجهة نظر

الرد الكافي والشافي.. شكرا لمعالي السفير عمر هلال

وجهة نظر

شيرين أبو عاقلة: وعي متأخر بأيقونة وهبت حياتها لاستنهاض امتها

تابعنا على