منتدى العمق

الهندسة المغربية بين الواقع  والآمال

Génie civile

لطالما كانت الهندسة طموحًا للشباب ووسيلة للارتقاء الاجتماعي. فالهندسة  من أقدم وأهم التخصصات العلمية التي ساهمت بشكل كبير في تقدم الحضارات وتطورها. فقد كان المهندسون يحظون بمكانة مرموقة في المجتمع بفضل إسهاماتهم في تشييد البنى التحتية والمعمارية، وتصميم الآلات والأدوات التي سهلت الحياة اليومية. وكانوا يعيشون في مستوى اجتماعي يحسدون عليه لما كانوا يتمتعون به من اعتبار وتقدير في المجتمع فهم لب الطبقة المتوسطة ولا يخفى علينا دور الطبقة المتوسطة في تماسك المجتمع، مما جعل الهندسة مهنة جذابة للشباب الذين كانوا يتطلعون إلى تحسين ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية وتسلق سلم الترقي المجتمعي.

إلا أن هذه الوضعية لم تعد تنطبق على بلادنا  حيث اضطر المهندسون للخروج إلى الاحتجاج في الشارع العام نظرا لما تعرفه الهندسة في وقتنا الحاضر من الإشكاليات بسبب السياسة الحكومية التي ارتكزت، في العقود الأخيرة،  على تشجيع اقتصاد الريع وتغليب الكم على حساب الجودة مما ولد عددا من الأزمات في الجسد الهندسي المغربي نستعرض تفاصيلها في النقط التالية:

  • الحوارات الاجتماعية المخيبة للامال: أدت الحوارات الاجتماعية الأخيرة إلى تفاقم الأزمة الحالية، حيث غيبت الحكومة ملف المهندسين عن طاولة الحوار. إضافة إلى ذلك فقد اختارت الحكومة في الحوار المشترك بين جميع الفئات خيارات ستكون لها ارتدادات صعبة على الشغيلة، عموما، وعلى المهندسين بصفة خاصة. فقد فضلت الحكومة زيادة سن التقاعد بدلاً من محاسبة المسؤولين عن الصناديق المالية الفارغة والمشاريع الفاشلة.. بالإضافة إلى ذلك، عمدت الحكومة إلى تقييد حق الشغيلة في الإضراب كوسيلة للدفاع عن حقوقهم ومطالبهم. هذه الإجراءات تسهم في تعزيز سياسة الرأي الواحد وتعمل على تهميش حقوق المهندسين وتقضي على حقوقهم المشروعة في المشاركة الفعالة والتأثير على القرارات المتعلقة بمستقبلهم المهني والاقتصادي، كما أنها تضعف المهنة الهندسية عموما وتحد من قوتها الاقتراحية في المشاريع الوطنية.
  • ضعف التكوين الهندسي و التكوين المستمر: تسببت السياسات التعليمية التي سعت من خلال برامج عدة الى مضاعفة عدد الخريجين (مشروع 10000 مهندس، مضاعفة الأعداد بمدارس المهندسين، وتكاثر المدارس الحرة التي لا تتوفر على الشروط الأساسية للتكوين الهندسي …) دون الاكتراث إلى جودة التكوين الهندسي، حيث أثقل كاهل مؤسسات تكوين المهندسين بأعداد كبيرة دون مواكبة ذلك بتوفير الإمكانيات البشرية واللوجستية الضرورية مما أضعف مستوى التكوين والتأطير ناهيك عن المناهج الدراسية التي أصبحت متجاوزة ولا تواكب التطورات التكنولوجية الحديثة.
  • تفشي البطالة بين المهندسين: أدت زيادة عدد خريجي معاهد المهندسين دون بناء اقتصاد يستوعب أفواج المتخرجين و دون ملائمة التكوين لاحتياجات سوق الشغل، إلى ارتفاع معدلات البطالة بين المهندسين، حيث يجد الكثير منهم صعوبة في العثور على وظائف تناسب تخصصاتهم ومؤهلاتهم.
  • عدم تقدير الكفاءات: تفتخر الحكومة في عدة تصريحاتها أنها تعتمد في عدد من المشاريع المهيكلة للوزارات على مكاتب دراسات أجنبية، وتنقل بعض الأعمال أو المهام الهندسية إلى كفاءات خارجية لتنفيذها، مما يقلل من اعتبار الكفاءات الهندسية الوطنية. إذ تفتقر السياسات الحالية إلى آليات فعالة للاعتراف بالكفاءات والابتكارات الهندسية وتقدير مجهودات ذويها، مما يولد شعورا بالإحباط لدى فئة منهم ورغبة في الهجرة لدى فئة أخرى. كما ساهمت سياسة تقديم الولاء على الكفاءة وتقييد حرية التعبير الى تهميش أصحاب الآراء الحرة وحصر دائرة الابتكار والتطوير، فأصبحت هجرة الأدمغة المغربية معطى لا جدال فيه، وهدفا لكل مهندس طامح لتحقيق حلم ذاته واستثمار طاقاته الهندسية.
  • تدني الأجور والحوافز: يواجه المهندسون ظروف عمل صعبة وخصوصا حديثي التخرج حيث يلجأ البعض منهم للعمل براتب بخيس أو العمل في مهن لا صلة لها بتكوينه هربا من براثن البطالة والفقر، مما يزيد من التحديات التي تواجه هؤلاء المهندسين في تحقيق الاستقرار المهني والمادي.
  • الفساد الاقتصادي: يتميز الاقتصاد المغربي بالاحتكار والريع مما يحد من دور المهندسين المغاربة في الرفع من تنافسية المقاولات الوطنية. كما أن تفشي مظاهر الزبونية والإرتشاء، يجعل عددا من المقاولات الهندسية تكابد من أجل البقاء.

 

في ظل التحديات التي تواجهها مهنة الهندسة في المغرب، بات من الضروري  اعتماد برنامج نضالي وحدوي بين الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة والنقابة الوطنية للمهندسين المغاربة والمركزيات النقابية والتنظيمات الحزبية والجمعيات والهيئات الهندسية. فمن الإيجابي جدا في النضالات الحالية الوحدة والتضامن التي يعرفهما الجسم الهندسي والتي عبرت عنها كل التنظيمات الهندسية في بيانات رسمية وحملات تعبوية. ودعم هذه النضالات الحرة يقتضي من جميع المهندسين و المهندسات الانخراط الفعال في الهياكل والتنظيمات الهندسية قصد تحسين ظروف عملهم والنهوض بمهنة الهندسة وتقديم قيمة مضافة نوعية في تنمية الاقتصاد الوطني وحماية المواطن المغربي.

استدراكا لهذا الواقع، يجب على الحكومة تفعيل حلول شاملة ومستدامة للنهوض بمهنة الهندسة في المغرب. يتطلب تحسين وضع المهندسين وإعادة الاعتبار لمهنة الهندسة اعتماد سياسات تعليمية ومهنية تعزز جودة التكوين، وتوفر بيئة عمل ملائمة. من الضروري ايضا الاهتمام بالكفاءات الهندسية وتشجيع الابتكار والاستثمار في الرأسمال البشري كعنصر أساس لنهضة البلد وتنميته.

لضمان مستقبل أفضل للقطاع الهندسي في المغرب، لابد من التركيز على حلول رئيسية تعالج الإشكاليات الراهنة وتؤسس لمستقبل واعد :

  • اشراك المهندسين: يجب إشراك المهندسين بشكل فعال ومستمر في عملية صنع القرارات داخل جميع الهيئات والمؤسسات الحكومية، وكذلك في بلورة وتنفيذ الاستراتيجيات والمخططات التنموية الوطنية، حيث يُعتبر ذلك ضروريًا لضمان أن تكون هذه القرارات مبنية على أسس علمية وهندسية قوية، وأن تراعي الأبعاد الفنية والتقنية للمشاريع والخطط المستقبلية وأن تأخذ بعين الاعتبار المعطيات والإمكانات الوطنية. إشراك المهندسين يساهم في تقديم رؤى متعمقة وحلول مبتكرة للتحديات التنموية، مما يعزز من فعالية وكفاءة تنفيذ السياسات التنموية ويضمن تحقيق تنمية مستدامة وشاملة للمجتمع بأسره.
  • إنشاء بيئة عادلة وتقدير الكفاءات الهندسية: يجب على الحكومة تبني سياسات شفافة وعادلة تهدف إلى الاعتراف بالكفاءات والابتكارات الهندسية وتقدير مجهودات أصحابها. يمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء نظام تقييم موضوعي يعتمد على الأداء والإنجازات الفعلية، بدلاً من الولاء الشخصي. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة اتخاذ خطوات جادة لمكافحة الفساد وتحقيق الشفافية في جميع المجالات من خلال إنشاء هيئات مستقلة ومحايدة لمكافحة الفساد، وتطبيق عقوبات صارمة على المفسدين دون استثناء، وتعزيز مبدأ الاستحقاق وربط المسؤولية بالمحاسبة.
  • الاهتمام بالتكوين الهندسي وتحديث المناهج التعليمية والتدريبية: يجب مراجعة وتحديث المناهج الدراسية في مدارس تكوين المهندسين لتتماشى مع التطورات التكنولوجية الحديثة واحتياجات سوق العمل ومراعاة حاجيات التكوين الهندسي من إمكانيات تأطيرية ولوجيستية لتكوين أجيال قادرة على الابتكار وقيادة المشاريع الهندسية بنجاح. كما يجب تعزيز آليات مراقبة جودة التكوين الهندسي، لمحاربة بعض مظاهر الاتجار في التكوين الذي تمارسه بعض المدارس الخصوصية والعمومية. بالإضافة الى ضرورة تطوير التعاون بين مؤسسات التكوين والمؤسسات الصناعية والشركات التكنولوجية لضمان تكوين عملي ونظري متكامل لتوفير فرص تأهيلية وتوظيفية للمهندسين.
  • إطلاق برامج التكوين المستمر لتطوير المهارات المهنية: حتى يتمكن المهندسون من مواكبة التقدم التكنولوجي والمهني يجب الاهتمام بتوفير برامج التكوين المستمر للمهندسين لتطوير مهاراتهم المهنية والتقنية حيث ستمكن هذه البرامج والمبادرات من بقاء المهندسين على اطلاع بأحدث التقنيات والاتجاهات في مجالات تخصصهم.
  • تحسين ظروف العمل والأجور: يجب على الحكومة والشركات مراجعة سياسات الأجور والحوافز المقدمة للمهندسين لضمان حصولهم على تعويض عادل يتناسب مع مؤهلاتهم وجهودهم. فتحسين ظروف العمل سيعزز من رضا المهندسين واستقرارهم الوظيفي مما سيضاعف من انتاجيتهم ومردودهم ويقلل من هجرتهم.

تشجيع الابتكار والبحث العلمي: ينبغي دعم الابتكار والبحث العلمي في مجال الهندسة من خلال تخصيص ميزانيات للأبحاث وتشجيع المشاريع الهندسية الريادية والشركات الناشئة التي تعتبر محرك التقدم في عدد من الدول الغربية. فالدولة بإمكانها تشجيع الابتكار عن طريق إنشاء صناديق تمويل خاصة للابتكارات الهندسية ودعم الشركات الناشئة التي يقودها المهندسون.

 

يمكن تجميع هذه الحلول في ثلاث نقط أساسية تشكل العمود الفقري للملف المطلبي الذي تقدم به المهندسون للحكومة و هي:

  • إقرار نظام أساسي جديد يضمن كرامة المهندس في القطاع العام ويشجعه على الإسهام الفعال في تطوير المشاريع التنموية في الوزرات و المؤسسات العمومية؛
  • تنظيم ممارسة مهنة الهندسة بما يضمن جودة الخدمة الهندسية للمواطن المغربي ويحمي الكفاءات الهندسية من المنافسة غير الشريفة ويسمح بتطوير ممارسة المهنة وفق المعايير الدولية الحديثة؛
  • إبرام اتفاقية جماعية توفر ظروف عمل ملائمة للمهندس الأجير مما يسمح له بالاجتهاد في التكوين المستمر ويشجعه على بذل الوسع من أجل ابتكار وتطوير حلول ترفع من تنافسية المقاولة المغربية؛
  • إحداث تكوين هندسي جيد لا يقتصر على توفير المعرفة الأكاديمية فقط، بل يشمل أيضًا تطوير المهارات العملية والشخصية للطلاب، وإعدادهم بشكل شامل لمواجهة تحديات سوق العمل، والتفوق فيها، ومنافسة الكفاءات العالمية؛

بتنفيذ هذه الحلول، يمكن تحسين وضع الهندسة في المغرب، وتعزيز دور المهندسين في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق تطور مستدام يلبي احتياجات المستقبل. إن معالجة مشاكل المهندسين في المغرب تتطلب تعاوناً مشتركاً من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الدولة، والمجتمع المدني، والمهندسين أنفسهم. فلا يمكن للمغرب أن يحقق التقدم دون إصلاح واقعه الهندسي وضمان حقوق المهندسين وتلبية مطالبهم المشروعة. هذا من شأنه أن يبرز مهارات وابتكارات المهندسين، مما سيجعلهم قاطرة للنهوض بالبلد وتطويره.

*  مهندس ميكانيكي و البنيات – قطاع الطيران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • غير مجهول
    منذ أسبوعين

    مقال جيد يصب في عمق أزمة المجال الهندسي المغربي الذي اصبح يعاني العديد من الاكراهات.

  • مجهولة
    منذ أسبوعين

    مقال جيد يصب في عمق أزمة المجال الهندسي المغربي الذي اصبح يعاني العديد من الاكراهات.

  • مواطن
    منذ أسبوعين

    بارك الله في صاحب المقال. تحليل شامل في الصميم