منتدى العمق

خسائر النظام الجزائري في قضية الصحراء المغربية

خسائر النظام الجزائري في قضية الصحراء المغربية

منذ سنة 1975 كرس النظام الجزائري مجهوداته الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية لعرقلة مساعي المغرب في إنهاء النزاع المفتعل حول صحرائه، فملف الصحراء كان دائما يطغى على المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى الرياضية في السياسة الخارجية الجزائرية، ومع مرور الوقت، وسع النظام الجزائري عداءه للمغرب ليشمل المس بمصالحه الاقتصادية وتمييع إنجازاته التنموية وكسر تحالفاته الاستراتيجية، ففي مشهد صادم يشكل سابقة تاريخية، صرح وزير أول جزائري سابق أن بوتفليقة أمر بصرف مليار دولار لتحطيم شركة رونو في المغرب بهدف عرقلة المجهودات التنموية للمغرب، والتي على ما يبدو، لا تروق النظام الجزائري. إن رهانات هذا النظام الخاسرة على تجزئة المغرب والمساس بمصالحه العليا مردها لمخاوف جوهرية كرسها مخيال النخبة الجزائرية، ترتبط بالخوف من مطالبة المغرب باسترجاع المناطق التي اقتطعت منه في خضم الاستعمار الفرنسي، خاصة وأن الجزائر خرجت من فلول الاحتلال الفرنسي باعتبارها المستفيدة الأبرز من مبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار، حيث كانت المناطق المغربية (كلومب بشار، تندوف، الساورة، توات، قورارة، وتيديكلت…) من المناطق التي ضمتها فرنسا للجزائر. بالإضافة إلى عدم رضا النظام الجزائري على الاتفاقيات الثنائية بين المغرب وموريتانيا سنة 1976 (التعاون وترسيم الحدود) التي لم تروقه، خاصة وأنه مسكون بهاجس التوازن الإقليمي وقيادة إفريقيا، ورأى فيها تهميشا لدوره الإقليمي من جهة أولى، وتشكيل علاقات ثنائية بين المغرب وموريتانيا خارجة عن توجيهاته من جهة ثانية، وهو ما يهدد طموحه في لعب دور إقليمي كبير، والذي لن يتأتى له إلا من خلال إضعاف المغرب وعزله عن عمقه الإفريقي وضمان منفذ بحري نحو المحيط الأطلسي. لقد وجد النظام الجزائري في نزاع الصحراء فرصة تاريخية لتحقيق هذه المكاسب، لذلك كرس كل قوته السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لخدمة هذا الهدف، فإذا كان المغرب جعل من قضية الصحراء نظارة التعاون وأساسا لعلاقاته الخارجية، فإن النظام الجزائري جعل من عرقلة طموح المغرب في إنهاء نزاع المفتعل حول صحرائه وتحقيق التنمية الاستراتيجية في الأقاليم الجنوبية، بعدا استراتيجيا في حضوره الدولي وسياساته الخارجية.

وتبدو مشكلة النظام الجزائري جلية في عدم توفره على سياسة خارجية مستقرة تضمن التراكم الإيجابي في العوائد الدبلوماسية والاستراتيجية، وسياسة توجيهية تفصل بين المصالح الاقتصادية والتوجهات السياسية في توظيفه لملف نزاع الصحراء، فقد دفع بكل مقومات الجزائر الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية نحو أفق واحد ووحيد، وهو الرهان على تجزئة المغرب وعرقلة تطوره وتشويه منجزاته. وتتعدد مبررات النظام الجزائري في موقفه من دعم جبهة “البوليساريو”، فالمبرر الأول: يعتبر أن مواقفه تعكس تجاربه التاريخية وكفاحه ضد الاستعمار، والتزامه التاريخي في دعم حق الشعوب في التحرر، والمبرر الثاني: إيمانه الراسخ بالمسار الأممي لحل النزاع في الصحراء في إطار ما يسمى بتصفية الاستعمار وحق تقرير المصير بيد كل من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. لكن الاختبارات السريعة أثبتت زيف هذه الشعارات الكلاسيكية، فقد رفض النظام الجزائري تسوية مخلفات الاستعمار في تدبير جواره، ويحاول أن يتحايل على القرار الأممي الأخير عبر دفع جبهة “البوليساريو” نحو رفضه أو على الأقل تمديد النزاع من خلال التركيز على ثغرات محتملة لا تضمن بالضرورة خيار الاستفتاء. وخوفا من انفضاح ادعاءاته في كونه ليس طرفا في نزاع الصحراء، وجد النظام الجزائري في القضية الفلسطينية ورقة مناسبة، وربط زيفا بينها وبين قضية الصحراء، لكنه في المقابل منع المظاهرات السلمية الداعية لإنهاء حرب غزة بلا هوادة. ومع إقرار مجلس الأمن بمبادرة الحكم الذاتي المغربي كخيار نهائي لإنهاء نزاع الصحراء في لحظة تاريخية قوية ضمنت في القرار رقم S/RES/2797، تبخرت أحلام النظام الجزائري، ومعها تبخرت كل الطموحات الإقليمية التي تقوم عبر معاداة المغرب ومصالحه الحيوية والسعي إلى ضرب وحدته وفصم عراه، وبالتالي يصبح من اللازم الحديث عن خسائر تعرض لها النظام الجزائري في هذا النزاع.

الخسائر الاستراتيجية:

غداة سقوط الاتحاد السوفييتي، دخل العالم مرحلة القطبية الواحدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي طالما اعتبرت المغرب حليفا استراتيجيا، ترجم ذلك في قبول المغرب كحليف استراتيجي رئيسي خارج أعضاء حلف الناتو سنة 2004، في مقابل فقدان النظام الجزائري إطاره الجيوستراتيجي الذي بنى فيه شعاراته ومبادئه، غير أنه ظل يراهن على التناقضات القائمة بين القوى الكبرى لدعم طرحه في ملف الصحراء، وخاصة الرهان على روسيا، وبينما عملت روسيا على تجديد نهجها، حافظ النظام الجزائري على مبادئه الكلاسيكية في علاقاته الخارجية، وبالتالي كان من الطبيعي أن تضعف العلاقات بين روسيا والجزائر، والتي وصلت إلى الباب المسدود في خضم الحرب الأوكرانية والأحداث الجارية في منطقة الساحل. فروسيا على ما يبدو لم تعد تنظر للعلاقات الخارجية بمنطق تاريخي وأيديولوجي، بل بمنطق براغماتي صرف يوازن المصالح الروسية والأولويات الجيوستراتيجية في ظل نظام عالمي تنافسي وواقع جديد تعيشه روسيا في ظل العقوبات الغربية، وقد اتضح ذلك جليا بعد عرقلة انضمام الجزائر لمجموعة “البريكس” وتصريح وزير الخارجية الروسي أن الانضمام للمجموعة يقتضي أن تكون للدولة هيبة وموقف متزن في الساحة الدولية، وهو ما ترجم في الجزائر على أنه خيانة تعرضت لها. كما راهن على الصين في دعم موقفه من قضية الصحراء، لكن الصين التي تجعل من الوحدة مع تايوان هدفها الاستراتيجي، لا يمكن أن تدعم حركات الانفصال، وهكذا اعتقد النظام الجزائري أنه بمقدوره شراء مواقف روسيا والصين بنفس النهج الذي كان يشتري به بعض المواقف الدولية، دون أن ينخرط في تعاون حقيقي وعلاقات اقتصادية وازنة بعيدة المدى، ودون أن يبني سياسة خارجية قوية واضحة تقدم العلاقات الاقتصادية على الطموحات السياسية. في مقابل ذلك، كانت لزيارات جلالة الملك محمد السادس نصره الله لكل من روسيا والصين والهند وقعا كبيرا تمثل في توقيع اتفاقيات عديدة في مختلف المجالات، وعكست حكمة الملك محمد السادس نصره الله في التمييز بين الأبعاد الاستراتيجية للمغرب ومصالحه الاقتصادية التي قوامها التنوع والاخترام المتبادل، ورؤية دبلوماسية محكومة بالأولويات، وكانت ثماني سنوات كافية لحصول المغرب على ثقة هذه الأطراف الدولية، وهو ما لم يكن في صالح النظام الجزائري، الذي وجد نفسه وحيدا بدون غطاء، وبدأ يفقد زخمه الدبلوماسي في قضية الصحراء. كما فقد الدعم الشامل من طرف القوى التي تمتلك حق الفيتو، وهو ما سيجعله أمام تحديات صعبة في إنجاح أي قرار معادٍ للمغرب.

الخسائر الإقليمية:

يمكننا أن نبرز هذه الخسائر عبر ثلاث مستويات:
ـ على المستوى الإفريقي: منذ انسحاب المغرب من الاتحاد الإفريقي (منظمة الوحدة الإفريقية سابقا) وجد النظام الجزائري الأرضية سانحة لتوظيف هذا الإطار وإصدار مواقف مناهضة ومعادية للمغرب. وعلى مدار 31 سنة (1984 – 2017) لم يستطع أن يخلق تحولا قويا لصالحه بفعل حصر المغرب تدبير ملف الصحراء في الأمم المتحدة، بينما شكلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في سنة 2017 تحولا جوهريا ترتبت عنه تغيرات لم يستوعبها العقل الاستراتيجي للنظام الجزائري أساسا، بسبب الارتباك الذي عاشه هذا النظام بفعل حراك 2019، وبفعل تسارع الأحداث التي حركت المياه الراكدة من تحت أقدامه، مما جعله يفقد دوره التاريخي داخل الاتحاد الإفريقي، خاصة وأنه طالما قدم نفسه على أنه زعيم إفريقي وقوة إقليمية ضاربة مساهمة في تقدم الشعوب الإفريقية وازدهارها وصون أمنها والترافع دوليا عن مصالحها وحفظ وحدتها، دون أن يقدم أي مبادرات عملية لتنفيذ هذه الادعاءات التي أصبحت موضع شك وريبة داخل المنتظم الإفريقي، حيث إن عددا من الدول الإفريقية تراجعت عن موقفها الداعم لجبهة “البوليساريو” ودعمت طرح المغرب في إقرار حكم ذاتي تحت سيادته، والعديد منها فتح قنصليات تمثيلية في مدينتي الداخلة والعيون، وحتى بعض الدول التي عرفت بمواقفها الحادة من قضية الصحراء المغربية ظهرت فيها أصوات تدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربي مثل حزب زوما في جنوب إفريقيا… وهو ما يعني ضمنيا تدهورا في العلاقات الدبلوماسية بين النظام الجزائري وعديد الدول الإفريقية خاصة في جنوب الصحراء. أمام المكاسب السريعة التي بات يحققها المغرب في إفريقيا لجأ النظام الجزائري إلى الرهان على موريتانيا بعد توتر العلاقات مع المغرب إثر الرسوم الجمركية التي أقرتها الأخيرة على المنتجات الفلاحية المغربية، وغيابها عن الاجتماع التمهيدي حول المبادرة الأطلسية الذي نظم بمدينة مراكش. غير أن الزيارة التي قام بها الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى المغرب ولقاؤه بالملك محمد السادس في الدار البيضاء، في 21 دجنبر من سنة 2023، والتي كان موضوعها المبادرة الأطلسية وأنبوب الغاز نيجيريا – المغرب، أعطت دلالات قوية على استعداد موريتانيا للانخراط في المبادرة الأطلسية. كما أن عدم حضور موريتانيا للقاءات التمهيدية المنظمة من طرف النظام الجزائري للبحث عن سبل من أجل إعادة إحياء اتحاد مغاربي يستثني المغرب، أكد بالملموس ضعف رهاناته وتخبطه في محاولة صناعة انتصارات قصيرة المدى بأي ثمن كان. كما أن توتر العلاقات بين النظام الجزائري وجواره الجنوبي أدخل الجزائر في عزلة إقليمية كبيرة، خاصة وأن دول الساحل بدأت تنظر إلى هذا النظام باعتباره غير موثوق ويسعى بكل الوسائل إلى زعزعة استقرارها وأمنها وتجزئتها. كما تبخر المشروع الجيوستراتيجي (أنبوب الغاز نيجيريا – الجزائر عبر النيجر) الذي قدمه هذا النظام كمشروع ينافس المشروع الاستراتيجي المغربي أنبوب الغاز نيجيريا – المغرب، ليصبح النظام الجزائري معزولا ومنبوذا في محيطه الإفريقي، مما جعل من الجزائر منطقة تحيط بها توترات تشكل تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

ـ على المستوى العربي: على الرغم من أن النظام الجزائري كرس التوترات بينه وبين العديد من الدول العربية، فإنه في المقابل راهن على أنظمة بعينها واتخذ مواقف مناهضة لمواقف العديد من الدول العربية المعبر عنها في إطار الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، خاصة تلك التي تتبنى مواقف مؤيدة لسيادة المغرب ووحدته الترابية. إلا أن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا وإضعاف حزب الله في لبنان وانحصار المد الإيراني في المنطقة زاد من عزلته عربيا. وهي كلها رهانات خاسرة تورط فيها هذا النظام، في مقابل استثمار المغرب في بعده العربي وتعزيز روابطه الأخوية بأشقائه العرب عبر مواقف متزنة، خاصة مواقفه من الأزمة السورية والأزمة القطرية والحرب في اليمن وغزة.

الخسائر الاقتصادية:

لقد عمل النظام الجزائري على توظيف عائدات الغاز والنفط في الاستثمار في نزاع الصحراء المغربية، فبالإضافة إلى الرشاوى في الدكاكين الدبلوماسية التي أصبحت ظاهرة للعيان بهدف محاولة التأثير في آراء الدول ومواقفها وتشكيل جبهة ضد المغرب، هناك الدعم المالي المستمر لعناصر جبهة “البوليساريو” والاستثمار في التسليح بدل التنمية، فميزانية الجيش قفزت من 10 مليارات دولار في سنة 2020 إلى 21 مليار دولار في سنة 2024، دون أن يحول تلك العوائد نحو تغيير البنى الاقتصادية والاجتماعية الموروثة من حقبة الاستعمار والحرب الباردة. وعلى الرغم من أن هذا النهج جعل من الجزائر قوة عسكرية لا يُستهان بها، إلا أن الاقتصاد الجزائري ظل اقتصادا ضعيف التنوع، طاردا للاستثمار الخارجي، ومعيقا للمبادرات الخاصة خارج مراقبة المؤسسة العسكرية، مع علاقات اقتصادية ضعيفة، وبالتالي كفاءة اقتصادية هزيلة، وهو ما جعل أحد الباحثين الجزائريين يصفه “بالاقتصاد الذي يسير على رأسه”. وبالتالي كانت الكلفة كبيرة، حيث كان من الممكن أن تسهم عائدات النفط والغاز في تحسين حياة الجزائريين وتعزيز انفتاح الجزائر على العالم. ومن دون شك فإن الاقتصاد الجزائري أصبح رهينا لتقلبات سوق النفط والغاز، ويمكن في لحظة أن تنقلب كل التوازنات.

الخسائر الأخرى:

استثمر النظام الجزائري كذلك بشكل كبير في ملف الصحراء ومعاداة المغرب لتصريف الفوضى الداخلية وضبط الرأي العام، وإبعاد المنظومة العسكرية عن الأسئلة الجوهرية، خاصة بعد حراك 2019 والخوف من هاجس قديم يتمثل في عودة شبح الإسلاميين أو أي منافس ينافس المؤسسة العسكرية. وبالتالي فإن الرأي العام الجزائري أصبح يزن قوة بلاده السياسية والدبلوماسية بما تحققه في ملف الصحراء، وبما أن هذا الملف قد حسم على الأقل خارج البراديغمات التي طالما روج لها النظام الجزائري وجبهة “البوليساريو”، فإن النخبة الجزائرية تجد نفسها اليوم مطالبة بإعادة بناء نهج جديد لتصريف هذه الفوضى، مثل تقديم قراءات أدبية لقرار مجلس الأمن للتقليل من شأن الحكم الذاتي المغربي، واعتبار النظام الجزائري الجزائر قائدة التحرر العالمي، وقوة عسكرية واقتصادية وديموغرافية فاعلة إقليميا ودوليا، أو المساومة بالعلاقات الجزائرية التونسية لتجاوز الاختناق الدبلوماسي، حيث يأمل النظام الجزائري من القيادة التونسية أن تتبنى طروحاته من خلال الاستثمار في توتر العلاقات بين المغرب وتونس منذ سنة 2022 إثر الاستقبال الذي حظي به زعيم جبهة “البوليساريو” من طرف الرئيس التونسي خلال انعقاد الدورة الثامنة لندوة طوكيو الدولية للتنمية في إفريقيا. ويتم تسويق العلاقات الجزائرية التونسية في الإعلام الجزائري على أنها علاقة مواقف مشتركة، بهدف تجاوز الانتقادات المتصاعدة. وكنتيجة لذلك، تعرض الرأي العام الجزائري لتشوهات كبيرة تم تكريسها عبر عقود، واعتقاد غير صحي بالتفوق والتأثير عبر مؤسسة إعلامية جعلت من معاداة المغرب موضوعا لها.

واليوم، على ما يبدو، فإن النظام الجزائري بدأ يدرك حقيقة التحولات الكبرى التي تجري من حوله، فالولايات المتحدة الأمريكية أصبحت تنظر إلى منطقة شمال وغرب إفريقيا باعتبارها فضاءً جيوسياسياً لتدبير علاقاتها الخارجية وحماية فضائها الجيواستراتيجي، وهي مستعدة للقيام بكل ما من شأنه أن يحقق ذلك. وروسيا نقلت وزنها نحو منطقة الساحل لحماية مصالحها الاقتصادية، والصين تبحث عن دول تتوفر على بنية تحتية قوية ولها علاقات تجارية فاعلة واقتصاد متنوع للاستثمار ودعم موقفها من تايوان وتجاوز الرسوم الجمركية المفروضة عليها من طرف أمريكا، والهند سارت نحو تعزيز تعاونها الأمني والاقتصادي مع المغرب وكذلك البرازيل وعديد جول آسيا، بينما بدأت القوى الأوروبية تلقي بكل ثقتها في المغرب لمعالجة قضايا جوهرية تتعلق بالهجرة والطاقة النظيفة والأمن، في حين ترى الدول الإفريقية في المغرب نموذجاً لها، وتحاول الاستثمار في شركاته الاقتصادية، خاصة استقطاب الشركات المغربية التي أثبتت فاعليتها في مناطق عديدة من القارة الإفريقية، وتعزيز علاقاتها الأمنية معه.

فلم يعد في العالم مجال للمواقف الرخيصة التي قوامها الأيديولوجية والنزاعات الخاسرة التي لا عائد استراتيجي من ورائها، ولم تعد الدول تفكر بنفس عقلية الحرب الباردة. كما أن الطموحات الاستراتيجية لم تعد تمر فقط عبر الرؤى الضيقة القائمة على الانفصال وعرقلة التقدم، بل عبر التعاون الاقتصادي والتنافس التكنولوجي والأمن السيبراني. ولذلك فإن النظام الجزائري يجب أن يصب كامل تركيزه على الخطاب الملكي السامي الذي يحمل رؤية استراتيجية لتجنيب النظام الجزائري المزيد من الخسائر، باعتباره تضمن دعوة صريحة لتجاوز الخلافات وإحلال السلام ونهج التعاون بدل العداوة، مخاطباً الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بـ”أخي”، وهو ما يعكس رغبة المغرب بقيادة صاحب الجلالة نصره الله في الحفاظ على استقرار المنطقة والتفكير في الخطوة القادمة دون العودة إلى الوراء من خلال إنهاء نزاع الصحراء في جو من التدبير المشترك لا غالب فيه ولا مغلوب، فالمغرب طالما اعتبر أن أمنه من أمن الجزائر.

الخلاصة هي أن رهانات النظام الجزائري على ملف الصحراء انتهت، لكنها انتهت لوضع جديد يتجاوز مجرد خسائر في في كسب ملف الصحراء الذي وضع فيه كل رهاناته، إلى خسائر جيواستراتيجية وإقليمية كبيرة ستؤثر بلا شك على موقع النظام الجزائري دولياً وإقليمياً، وعلى توازناته الداخلية وعلاقاته الخارجية. وبدون قدرة نخبة النظام الجزائري على استغلال وتثمين اللحظة التاريخية لاعادة إحلال السلام وتحويل الصراع مع المغرب من صراع جيوسياسي إلى تعاون اقتصادي يمكن من خلاله إعادة تفعيل المغرب العربي، ستلعب فيه الجزائر دورا حيويا ومحوريا كقطب اقتصادي وأمني، والانخراط الجاد في المبادرة الأطلسية المغربية التي تعد الإطار والخيار الوحيد الذي سيضمن للجزائر منفذا إلى المحيط الأطلسي… فإن الخسائر سوف تتواصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *