منتدى العمق

مشروع مبادرة الحكم الذاتي المغربية وسؤال الثابت والمتحول

مشروع مبادرة الحكم الذاتي المغربية وسؤال الثابت والمتحول

بعد القرار الأممي الأخير 2797 يتسع النقاش حول ملامح مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب لمجلس الأمن سنة 2007، وسبل تنزيلها على أرض الواقع، وهذا المقال يحاول أن يقدم قراءات حول طبيعة التعديلات التي قد تلحق هذا المشروع مضمونا وتنفيذا، من خلال اكتشاف عناصر الثبات وعناصر التحول التي قد تنضج في سياق استشاري داخلي، تتفاعل فيه مختلف القوى الحية للأمة المغربية وسياق تفاوضي خارجي مرتبط بخيارات أطراف النزاع، الذي قد يعطي للأطراف المعنية الحق في رفض بعض العناصر منه أو تعديل أخرى أو إضافة عناصر أخرى دون أن يمس ذلك بالقواعد التي يقوم عليها الحكم الذاتي ودون أن يمس بروح القرار الجديد لمجلس الأمن الذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية الأساس الوحيد لإنهاء هذا النزاع. وقبل أن نحاول اكتشاف عناصر الاستقرار والتحول في هذا المشروع المقترح، يجب بداية أن نحدد السياقات التي نضج فيها.

لعل أول ما ينبغي الإشارة إليه هنا، أن الأمر لا يتعلق بدرجة من النضج الجهوي الذي يمكن في ظروف معينة وتجنبا لتعقيدات إدارية وتحديات اثنوغرافية وسياسية أن تلجأ الدولة إلى إقرار نظام جهوي موسع في أقاليم معينة، ولا يمكن الحديث عن تطور جيوسياسي للدولة جعلها تتحالف مع مستويات ترابية معينة مرتبطة بالهيمنة والضم على مجالات جغرافية كانت مستقلة عنها، بل نتحدث عن سياق سياسي مرتبط بنزاع مفتعل تتعدد فيه الفواعل الإقليمية والدولية بداية، وثانيا، إجابة عن تحديات كثيرة واجهها المسار الأممي في تدبير نزاع الصحراء، مما دفع بمجلس الأمن إلى توجيه الدعوة إلى الأطراف للبحث عن حل سياسي مقبول يشكل أساسا تفاوضيا لإنهاء النزاع وطي الملف بشكل نهائي، بعد فشل خطة التسوية التي أقرتها الأمم المتحدة سنة 1990 والاتفاق الإطاري 2001 وخطة السلام سنة 2003. وجمود العملية السياسية وعدم انسجام المقترحات التي قدمتها جبهة “البوليساريو” بدعم من الجزائر مع واقع المرحلة السياسية التي وصل لها هذا الملف، وخلوها من الجدية والاعتراف بالحقائق التي أصبحت جلية لكل الفاعلين الدوليين، باعتبار مبادرة المغرب بشأن الحكم الذاتي مشروعا استثنائيا، ورغبة حقيقة في إغلاق هذا النزاع ضمن الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة من خلال التوفيق بين المقومات السيادية للدولة والحق في تقرير المصير انسجاما مع روح القرار 1514، وأمام ضعف مبادرات الأطراف الأخرى وفعالية الدبلوماسية المغربية النشيطة على الصعيد القاري والدولي، استطاع هذا المشروع أن يحصد الدعم الدولي باعتباره مشروعا حقيقيا وواقعيا يتسم بروح التطبيق والتفعيل، فهو مشروع بناء يتضمن تضحيات المغرب وتنازلاته، كما يتسم بالمصداقية باعتبار مبادرة الحكم الذاتي الموسع في الصحراء تحترم اعتبارات القانون الدولي والشرعية الدولية، خاصة وأن المغرب حصر تنزيل هذا المشروع في إطار تفاوضي مع الأطراف المعنية ضمن الشرعية والمواثيق الدولية، فحسب الفقرة 35 من نص المبادرة: “تأمل المملكة المغربية أن تستوعب الأطراف الأخرى دلالة هذا المقترح بكل أبعاده، وأن تقدر وتسهم فيه إسهاما إيجابيا وبناء، معتبرة أن الدينامية التي أفرزتها هذه المبادرة تتيح فرصة تاريخية لحل هذه القضية بصفة نهائية“. وهذا ما أكده صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه الأخير، معتبرا أن المغرب سيقوم بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، وسيقدمها للأمم المتحدة، في إطار الواقع الجديد الذي جعل منها الأساس الوحيد للتفاوض، باعتبارها الحل الواقعي والقابل للتطبيق. وهو ما ينسجم كذلك مع دعوة الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي مستورا المغرب إلى تقديم خطة مفصلة ومحدثة لمشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به.

عموما، يعني الحكم الذاتي تمتيع جماعة معينة بصلاحيات واسعة سياسية وقضائية واقتصادية وثقافية، مع الحفاظ على سيادة الدولة، ويختلف الحكم الذاتي عن الجهوية الموسعة والفيدرالية في كون هذه الصلاحيات الممنوحة لجماعة بشرية في إقليم معين تخضع للاعتراف الدولي، وهو نظام تحافظ فيه الدولة على سيادتها الكاملة على الإقليم، وبالتالي فإن التعديلات والتغييرات التي قد تطرأ على المشروع المغربي لا يمكن أن تتخطى روح الحكم الذاتي فيما يتعلق بمقومات السيادة، مع تمتيع الساكنة بسلطات واسعة في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتشريعية وفق ما تنص عليه المواثيق الدولية. لكنها أيضا تعكس نوعا من النضج المجالي الذي بلغه المغرب في إطار سياسة إعداد التراب الوطني والجهوية والتدبير المجالي القائم على اللامركزية واللاتركيز والمقاربات المجالية القائمة على الديمقراطية التشاركية والحكامة… انسجاما مع التحولات الديمقراطية التي يشهدها المجتمع المغربي وانسجاما مع الدور الإقليمي الطموح الذي أصبح يلعبه المغرب، وهنا يمكن الحديث عن خصوصيات حقيقة ميزت مبادرة الحكم الذاتي المغربي. ثم أنها مبادرة تنطوي على أبعاد جيوسياسية تتعلق بتجاوز الخلافات بين المغرب والجزائر وإعادة تفعيل المغرب العربي والتعاون المغاربي، وتجنيب المنطقة حربا لا طائل من ورائها ولا مصلحة لأحد فيها، كما تفتح آفاقا جديدة نحو بناء تعاون إقليمي مبني على المصلحة الاقتصادية والمنفعة المشتركة وتدبير التحديات الأمنية والاجتماعية في منطقة الساحل خصوصا وجنوب الصحراء عموما.

في خضم هذا السياق نضج المشروع المغربي، وبالتالي فهو مشروع تنسجم فيه كل السياقات والرهانات بثقل التاريخ والواقع. وهو نهج استراتيجي وإبداع في خضم اللحظة التاريخية حيث انسدت الآفاق السياسية الأممية وعرفت دينامية تدبير الملف فتورا كبيرا. لينتهي المطاف بعد 18 سنة إلى إقرار أممي بهذا المشروع باعتباره أساسا وحيدا لإنهاء نزاع الصحراء المغربية. إنه الحل الأوسط الوحيد الممكن الذي لا يضمن للاستقلال ولا يضمن السلطة المركزية المطلقة، ولا يمكن بناء أي حل وسط غيره. ولا حل وسط يمكن أن يظهر غير الحكم الذاتي.

انطلاقا مما سبق، يمكن الحديث عن الثابت والمتغير في مبادرة الحكم الذاتي المغربي، فما هي الحدود النهائية والخطوط الحمراء التي يسمح عندها بشرح مشروع مبادرة الحكم الذاتي وتنزيله؟ هنا يمكننا أن نناقش وفق مستويين:

  • المستوى الوطني: 

فالمغرب مطالب بتقديم شرح مفصل لمبادرة الحكم الذاتي، يوضح بشكل أعمق محاور المبادرة وطرق تنزيلها وتنفيذها. إن الغرض من هذه المشاورات هو إنشاء مسودة موسعة لمبادرة الحكم الذاتي المغربي، وبالتالي فهي تعكس إسهامات مختلف القوى الحية للمجتمع، وخاصة الأحزاب السياسية. فما هو الأفق الذي يمكن أن تقترحه؟ في الاعتبارات الأساسية فإن هذه الاستشارات ستكون وصفية وتفصيلية على الصعيد البنيوي للمشروع، بينما يمكن على مستوى التنفيذ أن تقترح الأحزاب السياسية تسهيل انخراط العائدين من مخيمات تندوف والراغبين في تبني العمل السياسي للانخراط في صفوفها بهدف تأطيرهم وتكوينهم سياسيا، كما تلتزم المؤسسات التربوية والشركات الوطنية بتوفير إطار متكامل لإدماج هؤلاء وتكوينهم ومساعدتهم بشكل مباشر أو غير مباشر في الاندماج في سوق الشغل، أو تكليف المكاتب الجهوية للاستثمار والمنعشين العقاريين في توفير الوعاء العقاري المناسب لهم مع منح تسهيلات لإنجاز المشاريع والتمويل وغيرها، وهي كلها أبعاد يمكن أن تنخرط فيها هذه المؤسسات في إدماج هؤلاء العائدين، كما يجب أن تساهم المؤسسات الدولية المعنية بالشؤون الإنسانية في هذا الشأن، ويبدو لي أن هذا الجانب العملي سيكون موضع تشاور بين جميع القوى الحية.

عموما هناك بعض النقاط والأسئلة الأساسية التي يجب الإجابة عنها فيما يتعلق بمبادرة الحكم الذاتي، ويتعلق الأمر في نظرنا  بالأتي:

  1. تحديد النطاق المجالي أو الإقليمي لمبادرة الحكم الذاتي: فهل ستكون مقتصرة على المنطقة المتنازع عليها، أي الساقية الحمراء ووادي الذهب كإطار ترابي جغرافي، أو سيتم تمديد هذه المبادرة لتشمل كذلك جهة كلميم واد نون؟ أم أن المغرب، تجاوزا لبعض الإشكالات الاثنوغرافية والجغرافية، قد يلجأ لإقرار أنظمة جهوية متباينة، مثلا جهة الحكم الذاتي في الصحراء، الجهوية الموسعة في كلميم واد نون مع الحفاظ على نظام الجهوية المتقدمة في باقي الجهات التسع الأخرى. أم أن الدولة ستلجأ إلى إقرار تقسيم جهوي جديد لجهة الصحراء يتم فيه تمديد حدود الجهات لتشمل بعض أقاليم وجماعات جهة كلميم واد نون؟
  2. يتعلق الأمر برئيس جهة الحكم الذاتي الذي سينتخب من طرف البرلمان الجهوي: فهل سيكون شخصية مستقلة يتم اختيارها على أساس تكنوقراطي أم انطلاقا من الأحزاب السياسية عبر انتخابات حرة؟ هل سيكون من سكان المنطقة فقط أم من جميع مناطق المغرب؟
  3. فيما يتعلق بالأحزاب السياسية في علاقتها بجهة الحكم الذاتي: هل ستسمح الدولة لساكنة جهة الحكم الذاتي بتأسيس أحزاب سياسية مستقلة محلية، أم سيقتصر الأمر على الأحزاب القائمة وبالتالي تكون الظاهرة الحزبية امتدادا للسيادة السياسية على الإقليم، وأن العمل السياسي الحزبي سيظل في جوهره خاضعا للمركزية الحزبية الوطنية؟ وفي حالة اعتماد نظام حزبي محلي، كيف يمكن التوفيق بينه وبين الأحزاب الأخرى داخل جهة الحكم الذاتي؟
  4. على الرغم من أن مبادرة الحكم الذاتي تعطي صلاحيات موسعة لجهة الحكم الذاتي في المجال الثقافي، فإن الحديث عن نوع النظام التعليمي في جهة الحكم الذاتي يعتبر من الأهمية بمكان، حيث يتعلق الأمر بالسيادة الثقافية، وبالتالي معرفة طبيعة النظام التعليمي والتربوي الذي سيتم إقراره بجهة الحكم الذاتي، هل سيكون عبارة عن نظام تعليمي مستقل في مناهجه وبرامجه، أم أن الإطار الجهوي لن يتجاوز الإطار الإداري من تسيير وتدبير هذا النظام مع الحفاظ على المناهج والبرامج المتبعة في كامل التراب الوطني، أم أن الدولة ستتجه لمنح صلاحيات معينة تسمح لجهة الحكم الذاتي بتبني برامج جزئية خاصة؟
  1. ثمة نقطة في غاية الأهمية، تتمثل في الأعباء والتكاليف التي قد تتحملها الدولة المركزية في تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، وهي بلا شك تكاليف تتطلب قدرا من العقلانية، وقد تستلزم في الوقت نفسه الكثير من الوقت للبحث عن السبيل الأنجع لتحقيق ذلك.
  2. لعل من أهم النقاط الحساسة في مبادرة الحكم الذاتي بناء تماسك حقيقي بين النخب الصحراوية، التي ستمارس مختلف الصلاحيات المخولة لها بموجب الحكم الذاتي والمنصوص عليها دستوريا والمعترف بها دوليا، بالإضافة إلى التنبؤ بما قد يطرأ من خلافات جوهرية قد تبطئ تنزيل مبادرة الحكم الذاتي، وقد تفتح شرخا أخرا في إحلال التفاهم بين النخب الصحراوية سواء تلك الموجودة في جهة العيون والداخلة، أو تلك الموجودة في جهة كلميم واد نون أو الموجودة في مخيمات تندوف.
  1. هل برامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي سيتم إعدادها من طرف جهة الحكم الذاتي ستكون موضع مراقبة ووصاية الدولة المركزية عبر مندوبها، أم أن الأمر يتعلق بإنشاء لجان جهوية تسهر على تتبع تدبير هذه المشاريع والبرامج وإحالتها إلى المحكمة الجهوية العليا؟
  2. ما هي صلاحيات ممثل الدولة المركزية في جهة الحكم الذاتي، وهل سيكون واليا يتم تنصيبه في إطار اللاتركيز الإداري وتفوض له صلاحيات معينة، بحيث يضطلع بنفس الدور الذي يضطلع به الوالي في باقي الجهات المغربية؟ أم ستفوض له صلاحيات واسعة “مندوب” تتمثل في السهر على ممارسة اختصاصات الدولة المركزية في جهة الحكم الذاتي كالتمثيل الرسمي للدولة في مؤسسات جهة الحكم الذاتي والتنسيق والأمن العام وضمان الإلتزام بالدستور واحترام سيادة الدولة وغيرها كما هو الشأن في بعض النماذج الدولية؟ وبالتالي فإن تحديد صلاحيات ممثل الدولة ونظام العلاقات بينه وبين الإدارة الجهوية للحكم الذاتي قد يفتح مصاعبا جمة في إيجاد إطار قانوني متكامل يستوعب هذه العلاقات.
  3. يتعلق الأمر بنوع التنظيم الترابي الذي سيتم اعتماده من طرف جهة الحكم الذاتي، هل سيكون خاضعا للدولة المركزية منصوص عليه في الدستور بعد التعديل، أم خاضعا لجهة الحكم الذاتي، حيث سيكون لجهة الحكم الذاتي كامل الصلاحيات في تقسيم تراب الجهة وفق أنظمة ترابية ترى أنها مناسبة؟ مثلا (ولايات، عمالات، جماعات ترابية، جماعات محلية، فيديراليات محلية…).
  4. ما هي التعديلات التي يجب إحداثها في الدستور تماشيا مع النتائج التي ستؤول إليها المفاوضات؟ وهل ستشمل هذه التعديلات تغييرات في النظام الجهوي المغربي ككل؟ هل سيتم الارتقاء بباقي الجهات المغربية إلى جهوية موسعة كتتمة لمسار البناء الجهوي الذي انخرط فيه المغرب منذ سنة 1971؟
  5. بالنسبة للموارد:  هل ستكون جميع الموارد موضع تدبير مشترك أم أن الدولة ستفصل بين الموارد الأساسية التي ستكون خاضعة بشكل شامل أو جزئي لجهة الحكم الذاتي، والموارد الاستراتيجية التي ستكون خاضعة لوصاية الدولة المركزية، ويتعلق الأمر بالموارد ذات البعد الجيواستراتيجي مثل الموانئ، والطرق ومشاريع الطاقة الشمسية ذات البعد الدولي، والموارد البحرية الاستراتيجية والفوسفاط، والتي تعتبر موارد استراتيجية تعزز من الاندماج الإقليمي للدولة في بعدها الإفريقي والأطلسي؟
  6. فيما يتعلق بالشرطة: هل سيتم إنشاء نظام جديد للأمن كما هو منصوص عليه في نص مشروع المبادرة “الشرطة المحلية”، أم سيتم الحفاظ على الأنظمة القائمة، أم أن الدولة ستضطر إلى إقرار نظام شرطة وطني جديد وآخر إقليمي شبيه بما يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية أو الحرس الوطني كما هو الحال في اسبانيا؟
  7. ومن دون شك فإن النقاش العام حول مصير الجماعات المسلحة لجبهة “البوليساريو” سيكون ضروريا، خاصة وأن الأمر يتعلق بالأمن القومي للمغرب وما تطرحه هذه العملية من تحديات جمة، فعلى الرغم من أن المغرب التزم في مشروع المبادرة بإقرار العفو العام، إلا أن  الأمر يستدعي رؤية واضحة، فهل سيتم إدماجهم في المؤسسة العسكرية المغربية بشكل مباشر؟ هل يستلزم الأمر حسب الضرورة إخضاعهم لإعادة التأهيل والادماج؟ هل يجب قبولهم كمواطنين مدنيين ونزع الصفهة العسكرية عنهم؟ أم سيترك لهم الخيار في تحديد مستقبلهم الشخصي؟
  8. إذا كانت الحقائق تثبت قطعا أن للاجئيين في مخيمات تندوف هويات متعددة، فإن الحديث  عن أي عملية يمكن من خلالها تحديد اللاجئين الصحراويين عن غيرهم ليس أمرا صعبا وحسب، بل مستحيلا، فمن المستحيل بناء نموذج معياري قادر على تمييز هؤلاء، وحتى عملية تحديد الهوية التي انخرطت فيها الأمم المتحدة شابتها خروقات جمة، مما جعل المعايير التي طورتها قاصرة، إذ منحت صفة “صحراوي” لغير الصحراويين، ونزعت في المقابل عن صحراويين آخرين هم في الأصل صحراويون، خصوصا في الجزء المتعلق بشهادة شيخين؟ وبالتالي فإن أي عملية لتحديد هوية هؤلاء، مهما بلغت من العمق، ستظل نسبية يشوبها القصور والضعف، ويتعين أن تكون هذه الجزئية موضع تحليل دقيق في الاستشارات الجارية. 

فيما يتعلق بالمفاوضات الخارجية:

يرتبط الأمر بمدى تفاعل جبهة “البوليساريو” مع البرنامج الموسع الذي سيتقدم به المغرب إلى مجلس الأمن، وهامش المناورة الذي تمتلكه الجبهة في ظل  أمر الواقع الذي فرضه القرار رقم 2797، وفي ظل احترام المقومات السيادية للدولة باعتبارها جوهر الحكم الذاتي. ومما لا شك فيه أن المغرب سيضع خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها فيما يتعلق بمبادرة الحكم الذاتي، والتي لا يمكن أن تكون موضوع مساومة ولا موضوع تفاوض، لأنها لا تقبل التنازل، وإلا أصبحنا نتحدث عن مستوى يتجاوز الحكم الذاتي إلى حكم سيادي، ويتعلق الأمر بمبدأ الاحتكار الكامل لمقومات السيادة غير القابل للتنازل، والمتمثلة في ثلاث عناصر أساسية:

  • الرمزيات الوطنية: المتمثلة في العلم والنشيد الوطني والعملة المغربية.
  • ثوابت الأمة المغربية: المرتبطة بالاختصاصات الدينية والدستورية للملك، بضفته أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية وللحريات الفردية والجماعية والضامن لوحدة البلاد.
  • المجالات السيادية: المتمثلة في الأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية والعلاقات الخارجية والتنظيم القضائي للملكة.

 إن هذه المستويات لا يمكن أن تكون بأي شكل من الأشكال محل مساس بها أو تقاسمها أو التنازل عن جزء منها، على الرغم من أنه يمكن التفاوض حول ممارستها في إطار الممارسة الوطنية التي يتشارك فيها كافة المغاربة على قدم المساواة. كما يبقى من الأهمية بمكان الحديث عن عناصر سيادية أخرى تتعلق بالموارد الاستراتيجية في الصحراء (الموانئ، الطرق العابرة للحدود، السيادة البحرية الاقتصادية، المجال الجوي، الفوسفاط، مشاريع الطاقة المتجددة…)، بالإضافة إلى نوع النظام التعليمي في جهة الحكم الذاتي. لكن نص المبادرة يفتح الباب أمام جهة الحكم الذاتي لممارسة بعض الصلاحيات الخارجية، كما هو منصوص عليه في الفقرة 15 من المشروع “الدولة تباشر مسؤولياتها في العلاقات الخارجية بتشاور مع جهة الحكم الذاتي للصحراء، كما أن لهذه الأخيرة بالتشاور مع الحكومة إقامة علاقات تعاون مع جهات أجنبية بهدف تطوير الحوار والتعاون بين الجهات“. فهل المقصود هنا علاقات دولية أم علاقات جهوية لا تتجاوز ما هو منصوص عليه في القانون التنظيمي للجماعات الترابية؟ كما هو الشأن في المادة 82 من القانون التنظيمي رقم 212.14 المتعلق بالجهات، في حدود ما هو منصوص عليه في الفقرة السابعة من نفس المادة، “…أنه لا يمكن إبرام أي اتفاقية بين جهة أو مجموعة من الجهات أو مجموعة من الجماعات الترابية ودولة أجنبية”وبالتالي فمن الضروري تحديد بدقة الصلاحيات المخولة لجهة الحكم الذاتي ونطاقها وانسجامها مع سيادة الدولة فيما يتعلق بالعلاقت الخارجية والصلاحيات الحصرية لجهة الحكم الذاتي من قبيل تشجيع الاستثمارات وتحقيق التنمية…

عموما، بما أن المشروع المغربي حدد اختصاصات جهة الحكم الذاتي، في الإدارة المحلية والشرطة المحلية ومحاكم الجهة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والميزانية الجهوية والبنية التحتية، بالإضافة إلى رصد اعتمادات مالية لجهة الحكم الذاتي لممارسة هذه الصلاحيات كالضرائب والرسوم والمساهمات المحلية المقررة من لدن الهيئات المختصة للجهة، والعائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية المرصودة للجهة، وجزء من العائدات المحصلة من طرف الدولة والمتأتية من الموارد الطبيعية الموجودة داخل الجهة، والموارد الضرورية المخصصة في إطار التضامن الوطني، وعائدات ممتلكات الجهة… فإن الصعوبة تكمن في ترجمة هذه الاختصاصات  على أرض الواقع، أما من حيث المضمون قد تقبل هذه الاختصاصات بعض النقاشات الشكلية فقط، غير أن الأساس التفاوضي مع الأطراف المعنية قد يركز على جوانب تتعلق بتنزيل مبادرة الحكم الذاتي أكثر مما يتعلق بمضمون المبادرة ذاتها، وبالتالي لن يكون أمام جبهة “البوليساريو” سوى نقطتين أساسيتين لتفاوض حولهما، وهما: 

  1.   المطالبة بتنفيذ الاستفتاء التأكيدي على مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب قبل الشروع في تنزيلها، بما يشمل جميع القاطنين في مخيمات تندوف واللاجئين في الدول الأخرى، دون أي تمييز بينهم باعتبارهم صحراويين. وهي النقطة الحاسمة التي ستتمسك بها جبهة “البوليساريو” بلا شك، وقد تطرح مصاعب عديدة في حال تمسك المغرب بضرورة التمييز بين اللاجئين الذين سيسمح لهم بالمشاركة في الاستفتاء، وهذا الأمر قد يعقد الوضع ويعيق تسريع تنفيذ الاستفتاء، كما قد تراهن “البوليساريو” في كل الأحوال على نتائج عكسية لهذا الاستفتاء بهدف معاكسة المغرب.
  2.   أما النقطة الثانية التي ستراهن عليها جبهة “البوليساريو” في المفاوضات مع المغرب فهي الحصول على ضمانات دولية خاصة لقياداتها السياسية والعسكرية، حيث ستسعى الجبهة إلى المطالبة بمرحلة انتقالية تحت مراقبة مزدوجة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، أو حتى من طرف قوى عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بما يسمح بتنزيل نظام الحكم الذاتي، ويخول للقيادات الحالية مكانة داخل المؤسسات والمناصب القيادية في جهة الحكم الذاتي.

خلاصة تحليلة:

أولا: يمكن القول إن نص مبادرة الحكم الذاتي سيخضع لشرح مفصل لن يخرج عن المحاور الأساسية للمبادرة، مع إمكانية توسيع بعض مقومات السيادة عبر استثناء جهة الحكم الذاتي من اختصاصات تتعلق بتدبير الموارد الاستراتيجية والنظام التعليمي. كما ستنصب المفاوضات على تنزيل المشروع أكثر مما ستنصب على مناقشة تفاصيله، فيما يتعلق بعودة اللاجئين وتنظيم الاستفتاء التأكيدي وتحديد مستقبل قيادات جبهة “البوليساريو” السياسية والعسكرية. وهي كلها جوانب لا تمس نظام الحكم الذاتي الذي يحافظ على سيادة الدولة على كامل ترابها.

ثانيا: تثبت الحقائق استحالة إيجاد معايير مناسبة لتحديد هوية من سيسمح لهم بالاستفتاء، وبالتالي هناك خياران لا ثالث لهما: إما القبول بجميع السكان في مخيمات تندوف واللاجئين في الدول الأجنبية الأخرى وكافة الصحراويين في المغرب، وهو ما يعني كتلة ديمغرافية واسعة قد تفتح الباب أمام مشاكل وتعقيدات لا تقل أهمية عن التعقيدات التي قد تنتج عن عملية تحديد الهوية المحتملة. لذلك ينبغي القول أن تنظيم أي استفتاء تأكيدي ليس حلا سليما، وهو خيار غير واقعي وغير عملي، وبدلا من ذلك يمكن الحديث عن بدائل أخرى تتعلق بمنح الساكنة في مخيمات تندوف حرية الاختيار دون تمييز في تحديد الوجهة التي يرغبون في الذهاب إليها. وبالتالي يجب إبعاد خيار الاستفتاء من مشروع المبادرة.

ثالثا: إن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب لا تخلو من تعقيدات سياسية واجتماعية وثقافية، ومن الأهمية بمكان البحث عن سبل واضحة لتجاوز هذه التعقيدات باعتبارها قد تطرح مصاعب كبيرة أمام تنزيل مبادرة الحكم الذاتي بشكلها الحالي. فالأمر لا يطرح صعوبات في شرح مضامين المبادرة، بل في تنزيلها وتنفيذها على أرض الواقع، وهذا التنزيل سيفرض تغيرات مهمة في نطاق الاختصاصات الممنوحة لجهة الحكم الذاتي.

رابع: إن مسار تنزيل الحكم الذاتي يجب أن يكون معززا بضغوط دبلوماسية قوية على كل من جبهة “البوليساريو” والجزائر، مع الاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة. وفي الوقت نفسه، يتعين مواصلة تعزيز أمر الواقع في الصحراء عبر تنفيذ مشاريع استراتيجية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، ودعم التحولات المجالية، وتعزيز التنمية الترابية بما يرسخ استقرار المنطقة ويعزز جاذبيتها التنموية ودورها الجيواستراتيجي في الفضائين الأطلسي والأفريقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *