مساعدو ومساعدات الصيادلة بالمغرب.. بين الوظيفة الاجتماعية والتغييب القانوني
منذ تنظيم مهنة الصيدلة في المغرب من خلال الظهير الشريف رقم 1-59-367 الصادر بتاريخ 26 فبراير 1960، المقنن لمزاولة مهن الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان والعقاقيريين والقوابل، وفئات مساعدي ومساعدات الصيادلة في المغرب تعيش واقعًا مفارقًا بين دورهم الاجتماعي الهام وتغييب قانوني متواصل لمهنتهم؛ فهم من جهة يؤدون وظائف حيوية اجتماعيًا وصحيًا، لكنهم من جهة أخرى يفتقرون لتكوين منهجي واضح وحقوق قانونية تضمن لهم الاستقرار المهني.
وقد زاد هذا الواقع حساسية في الظرفية الحالية، التي من جهة يتم فيها التأكيد على رفع شعار الدولة الاجتماعية ومحاولة تنزيل الورش الملكي بشأن الحماية الاجتماعية، ومن جهة أخرى يعاني قطاع الصيدلة من عدة تحديات، خاصة ما يتعلق بتسعير الأدوية وتزايد المنافسة داخل القطاع.
وفي الوقت الذي يزداد فيه الجدل بين صيادلة المغرب حول مشروع مرسوم يتعلق بتحديد أثمنة الأدوية، يواجه المساعدون التقنيون في الصيدليات مخاوف من تسريحات محتملة قد تضر بفرص عملهم بسبب التحديات المالية التي قد تترتب عن هذه التعديلات. إذ سبق في هذا السياق أن قدمت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب مذكرة إلى رئيس الحكومة تعبر فيها عن قلقها إزاء غياب التنسيق مع مقترحاتها الخاصة بمشروع مرسوم تحديد أسعار الأدوية، والذي أكدت فيه على ضرورة تحقيق التوازن بين القدرة الشرائية للمواطنين واستدامة عمل الصيدليات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها القطاع.
كما أكدت الكونفدرالية أن مراعاة هذه التوازنات ستكون ضرورية لضمان استقرار القطاع الصحي في المغرب، خاصة في ظل مشروعات التأمين الإجباري عن المرض. وقد حذر أمين بوزوبع، الكاتب العام للكونفدرالية، من أن المرسوم قد يؤدي إلى تسريح فئة المساعدين التقنيين في الصيدليات، نظرًا لانخفاض هوامش الربح بسبب استهداف الأدوية الرخيصة أو ما يسمى بالأدوية الجنيسة.
وأوضح بوزوبع أن الصيدليات التي ستتمكن من البقاء قد تجد نفسها مضطرة لتقليص نفقاتها، وخاصة تكاليف اليد العاملة، مما يهدد فرص العمل داخل القطاع. وأشار أيضًا إلى أن الأدوية الجنيسة تشكل العمود الفقري للعديد من الصيدليات المغربية، وأن استهداف هذه الأدوية بدلًا من الأدوية باهظة الثمن سيؤدي إلى تدهور الوضع المالي للصيدليات ويزيد من هشاشتها الاقتصادية، مما سينعكس سلبًا على وظائف المساعدين التقنيين.
وفي سياق متصل، أعرب الحسن تمزاورت، أمين مال الجمعية الوطنية للمساعدين التقنيين بصيدليات المغرب، عن قلق هذه الفئة من احتمالية تسريحهم جراء مشكلات التسعير، موضحًا أن هذه المخاوف باتت مصدر قلق دائم منذ بداية النقاش حول التسعيرات، خاصة وأن بعض الصيادلة قد يضطرون إلى تقليص عدد العاملين في الصيدليات حفاظًا على استقرارهم المالي.
وفي إطار هذه الأزمة، طالب تمزاورت الوزارة الوصية على القطاع بالتدخل لحماية المساعدين التقنيين عبر تقنين عملهم والاعتراف به كمهنة ذات أهمية داخل الصيدليات المغربية، مؤكدًا أن المساعدين التقنيين يواصلون العمل في ظروف غير قانونية ويدعون إلى حماية حقوقهم المهنية. ومن هنا تأتي ضرورة الإسراع في بلورة نظام قانوني يراعي ويكرس الوضع الوظيفي لهذه الفئة ضمن المنظومة الصحية بالمملكة.
1 – الدور الاجتماعي والأهمية المهنية لمساعدي ومساعدات الصيادلة
منذ تنظيم مهنة مزاولة الصيدلة وفتح الصيدليات في المغرب، التي بلغت وفق تقديرات رسمية حوالي 12 ألف صيدلية، فإن فئات واسعة من مساعدي ومساعدات الصيادلة، قدر عددهم بأكثر من 40 ألفًا، تشغل وتدبر هذا العدد الكبير من الصيدليات التي تعتبر حلقة أساسية من النظام الصحي بالمملكة.
وتُعدّ الصيدليات أهم مؤسسة صحية يتعامل معها المواطن، إذ يمكن ألا يوجد مستشفى أو مستوصف بينما تتواجد الصيدلية بالضرورة، ويتواجد معها – بالإضافة إلى الصيدلي – مساعدو ومساعدات الصيادلة الذين يقومون بعدة مهام وظيفية واجتماعية.
– المهام الوظيفية لمساعدي ومساعدات الصيادلة
عادة ما تشمل هذه المهام مهام كتابية وتنظيمية، مثل إدارة المخزون، والرد على استفسارات العملاء، ومعالجة المدفوعات. كما يمكنهم تصنيف الوصفات الطبية تحت إشراف الصيدلي، وإدارة المخزون، وتنظيم الصيدلية، والتعامل مع الزبائن.
وتقوم هذه الفئة كذلك بالمهام الإدارية مثل الرد على المكالمات الهاتفية، وتحديث السجلات الإلكترونية، وتشغيل ماكينات تسجيل المدفوعات النقدية. كما تساعد الصيادلة في صرف الأدوية، مثل عدّ الأدوية، ووضع ملصقات على الوصفات الطبية، وتعبئة الكميات، وتقديم الدعم اللوجستي في الصيدليات مثل صرف الأدوية وتنظيمها.
كما يساهم مساعدو ومساعدات الصيادلة في تخفيف العبء عن الأطباء الصيادلة، خاصة في المهام التي لا تتطلب خبرة مهنية، مما يتيح للصيادلة التركيز على الخدمات السريرية الأكثر تعقيدًا، وهو ما يعزز دور الصيدلية ضمن المنظومة الصحية والطبية بالمملكة، ويكرس أهمية هذه الفئة في القطاع الصحي والطبي خاصة فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي والإنساني.
– المهام الاجتماعية والإنسانية لمساعدي ومساعدات الصيادلة
يُعتبر مساعدو ومساعدات الصيادلة أول من يتعامل مع أي مواطن يقتني أدوية للعلاج أو يطلب استشارة بشأن أعراض مرض أو مواصفات دواء معين. وبالتالي فهم يقدمون خدمات أساسية للمواطنين ويتعاملون بشكل مباشر مع المرضى.
وتتمثل الوظيفة الاجتماعية لهم في كونهم حلقة وصل أساسية بين المرضى وفريق الرعاية الصحية في الصيدلية، حيث يدعمون الصيادلة في مهامهم اليومية، بما في ذلك تقديم المشورة، وصرف الأدوية، والتواصل مع المرضى. كما يلعبون دورًا مهمًا في توفير دعم اجتماعي ونفسي أساسي للمرضى، خاصة في مجتمع لا يتوفر على وعي صحي أو تكوين تعليمي بسبب انتشار الأمية أو العوز المادي.
ويفضل بعض المرضى استشارة هؤلاء المساعدين بدل الذهاب إلى الطبيب لما يتطلبه ذلك من تكاليف، في ظل غياب التغطية الصحية. كما يجد المرضى غالبًا لدى مساعدي الصيادلة آذانًا صاغية للاستماع إلى مشاكلهم المرضية والاجتماعية، وهو ما لا يتوفر دائمًا في العيادات الخاصة أو المستشفيات العمومية لاعتبارات الوقت والضغط المهني.
ويمتد الدور الاجتماعي لمساعدي الصيادلة في المناطق القروية والشعبية ليشمل تسهيل الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية، حيث يسدون نقص الأطر الصحية في هذه المناطق، ويقدمون خدمات أساسية مباشرة للمرضى ويساهمون في توعية المواطنين بالصحة.
وقد ظهر هذا الدور جليًا خلال جائحة كورونا، حيث سُجّلت إصابات عديدة في صفوف الصيادلة ومساعديهم. فقد كشف رئيس كونفدرالية صيادلة المغرب محمد الحبابي عن تسجيل 13 إصابة بفيروس كورونا في صفوف الصيادلة و18 إصابة في صفوف مساعديهم، في ظل غياب دعم الوزارة فيما يتعلق بوسائل الوقاية.
ورغم كل هذه الأدوار، ما زال مساعدو ومساعدات الصيادلة لحد الآن لا يتمتعون بأي قانون خاص ينظم عملهم ومهنتهم على غرار باقي مهن المنظومة الصحية، مما يؤدي إلى تكريس هشاشتهم المهنية وتهديد حقوقهم الاجتماعية.
2 – التغييب القانوني لمساعدي ومساعدات الصيادلة
على الرغم من إصدار الظهير المنظم لمزاولة مهن الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان والعقاقيريين والقوابل منذ 26 فبراير 1960، فلا يوجد حتى الآن أي إطار قانوني واضح لمساعدي ومساعدات الصيادلة في المغرب، مما يتركهم في وضع مهني غير مستقر.
ويواجه بعض مساعدي الصيادلة ظروف عمل غير مستقرة، مثل التهديد بالطرد التعسفي، وعدم احترام مقتضيات مدونة الشغل، والتي تتمثل في:
– التلاعب في تجديد عقود الشغل دون مراعاة قاعدة التمييز بين العقد المستمر والعقد المؤقت.
– استعمال عقود التدريب عن طريق الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل بطرق ملتوية.
– عدم التوفر على بطاقة الشغل.
– عدم توفر بيانات الأجر.
– عدم احترام الساعات القانونية للعمل.
– عدم احترام عطل الأعياد الدينية والوطنية.
– عدم احترام العطل الأسبوعية.
– عدم احترام الحد الأدنى القانوني للأجر.
– عدم التصريح بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وكل هذه الأشكال من الانتهاكات لها تأثير سلبي على وضع مساعدي ومساعدات الصيادلة، مما يجعل الحاجة ملحّة لإنشاء قانون خاص ينظم مهنة مساعد الصيدلي، مع توفير مراكز تكوين مؤهلة لرفع كفاءة المساعدين وحماية صحة المواطن.
وقد دأبت النقابات والجمعيات المهنية على المطالبة بهذا القانون منذ أكثر من عقدين، بما في ذلك اللقاء الوطني الثاني للجمعية الأخوية لمساعدي الصيادلة المنظم بالرباط في ماي 2010، والذي أكد ضرورة الاعتراف بمهنتهم.
كما تطالب هذه الجمعيات بتسريع تطبيق مدونة الشغل على العاملين في هذا القطاع وبإحداث قانون خاص يحدد مهامهم ويميزهم قانونيًا عن محضري الصيدلة وفنيي الصيدلة، وإحداث مراكز تكوين متخصصة تؤهلهم لممارسة مهامهم بشكل احترافي.
وتبقى مسألة التكوين من أبرز الإشكالات، إذ لا يوجد إلى اليوم تكوين رسمي خاص بهذه المهنة، ويتم الاكتفاء بدورات قصيرة أو تدريب داخل الصيدليات، رغم الحاجة إلى مسارات أكاديمية تؤهل لهذه المهنة وتفتح آفاقًا مهنية أوسع.
وعمومًا، فإن أهمية الدور الوظيفي والإنساني لهذه الفئة تفرض الإسراع بإخراج قانون منظم لمهنتهم، خاصة في ظل التحديات والاختلالات المتعددة التي يعيشها قطاع الصيدلة بالمغرب، والتي ترخي بظلالها على المهنيين ومساعديهم وأسرهم، وتجعل مستقبل هذا القطاع الحيوي مفتوحًا على المجهول.
اترك تعليقاً