منتدى العمق

الهجرة غير النظامية عبر بوابتي سبتة ومليلية: إشكالية الهوية والأخلاق والعقيدة في السياق المغربي المعاصر

قراءة سوسيو-دينية نقدية

ملخص

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن الهجرة غير النظامية الأخيرة عبر السياجين الفاصلين بسبتة ومليلية لا يمكن اختزالها في بعدها الاقتصادي الصرف، لقد تجاوزت الظاهرة كونها “هجرة دفع وجذب” إلى أن أصبحت تعبيرا عن أزمة بنيوية في منظومة القيم والهوية والعقد الاجتماعي، وتهدف الدراسة إلى تحليل تجليات هذه الأزمة من خلال ثلاثة مداخل: انهيار بعض وظائف الأسرة، وتراجع منسوب الانتماء الرمزي للوطن، وإشكالية الخطاب الديني والتربوي في مواجهة “عقيدة الهجرة”، وتخلص الورقة إلى أن المعالجة المستدامة تستدعي الانتقال من المقاربة الأمنية إلى “ميثاق صمود حضاري” يقوم على التمكين الاقتصادي والتربوي والرمزي.

الكلمات المفتاحية: الهجرة غير النظامية، سبتة ومليلية، الهوية، الأسرة المغربية، الخطاب الديني، العقد الاجتماعي.

1. مقدمة وإشكالية

شكلت محاولات العبور الجماعي الأخيرة عبر محيطي سبتة ومليلية منعطفا نوعيا في مسار الهجرة غير النظامية بالمغرب، فإلى جانب الطابع الجماعي، برزت معطيات جديدة أقل ما توصف به أنها مقلقة: توجيه بعض الآباء لأبنائهم القاصرين للعبور منفردين، وتفكك أسر بسبب غياب أحد الوالدين، وخطاب انهزامي يرى في “الضفة الأخرى” فضاء الخلاص الوحيد.

إن تجاوز منطق تحميل المسؤولية إلى منطق التشخيص البنيوي يفرض علينا طرح الإشكالية التالية:
إلى أي مدى تعكس الهجرة غير النظامية الحالية أزمة في مرتكزات الهوية والمنظومة الأخلاقية والعقدية للفرد المغربي؟ وما هي السبل العلمية لفهم هذا “الخطر الرمزي” والتعاطي معه؟

2. الإطار المفاهيمي والمنهجي

تعتمد هذه الورقة مقاربة سوسيو-دينية تحليلية، وتنطلق من التمييز بين ثلاثة مفاهيم:
1. الهجرة الاقتصادية: حركة سعي وراء فرص أفضل.
2. الهجرة الرمزية: نزع الشرعية عن “هنا” وتقديس “هناك”.
3. أزمة العقد الاجتماعي: عندما تفقد الدولة والمجتمع قدرتهما على إنتاج معنى للبقاء والانتماء.

3، تشخيص الظاهرة: من الهجرة إلى “الهجران”

3.1 تفكيك الخلية الأسرية وتوريط القاصرينإن توجيه الآباء لأبنائهم القاصرين للهجرة منفردين يمثل قطيعة مع المبدأ القرآني والنبوي “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، من الناحية السوسيولوجية، هذا السلوك يعكس تحول الأسرة من مؤسسة “حماية” إلى مؤسسة “تفويض المخاطرة”، والسؤال العلمي المطروح: ما هي الآليات التي أدت إلى تغليب “مصلحة مستقبلية متوهمة” على “سلامة حاضرة محققة”؟
3.2 الانسلاخ الرمزي المسبق
قبل العبور الجغرافي يتم العبور الرمزي، ويتجلى في خطاب يعمم الفشل ويختزل الوطن في معيقاته فقط، هذا الانسلاخ يفرغ مفهوم “المواطنة” من محتواه العقدي المبني على الاستخلاف والعمران، ويحوله إلى عقد منفعة ظرفي.
3.3 تحول الهجرة إلى عقيدة خلاص فردي
أصبحت الهجرة لدى شرائح من الشباب ليست خيارا بل “مصيرا محتوما”، وهذا يطرح إشكالا عقديا حول مفهوم الرزق والتوكل والأجل، وعن دور المؤسسات التأطيرية في تجديد فهم هذه المقاصد.

4. قراءة تحليلية: مداخل الهوية والأخلاق والعقيدة

4.1 المدخل العقدي: أزمة التوكل والعمران
تقوم العقيدة الإسلامية على التفاعل بين السعي والتوكل، غير أن الخطاب السائد لدى المهاجرين المحتملين يميل إلى إلغاء أحد طرفي المعادلة: إما التواكل أو المادية الصرفة، كما أن مفهوم “الاستخلاف في الأرض” تراجع لصالح مفهوم “النجاة الفردية”.
4.2 المدخل الأخلاقي: انهيار سلطة البر والمسؤولية
التخلي عن الأبناء يمثل انهيارا في منظومة “البر” و”الكفالة”، أخلاقيا، يصبح الفرد أسيرا لحسابات نفعية مجردة، وهنا يبرز سؤال: هل الخطاب التربوي والإعلامي الحالي قادر على إنتاج معنى جديد للمسؤولية يتجاوز الخطاب الوعظي التقليدي؟
4.3 المدخل الهوياتي: بين التعدد والاغتراب
الهوية المغربية مركبة: إسلامية مالكية، عربية، أمازيغية، إفريقية، لكن الاغتراب لا ينتج بالضرورة من التعدد، بل من غياب “السردية الجامعة” التي تجعل من هذا التعدد مشروع مستقبل، فعندما يغيب المشروع، يصبح الانتماء عبئا.

5. تساؤلات البحث وآفاق المعالجة

تفرض طبيعة الظاهرة تجاوز الحلول الترقيعية وطرح تساؤلات بحثية مستقبلية:
1. على مستوى التنشئة: ما مدى فعالية مؤسسات التنشئة في بناء “مناعة قيمية” لدى الناشئة في زمن العولمة الرقمية؟
2. على مستوى الخطاب الديني: كيف يمكن الانتقال من “فقه الهجرة” إلى “فقه العمران” و”فقه المواطنة المنتجة”؟
3. على مستوى السياسات العمومية: كيف يمكن معالجة “البطالة الرمزية” المتمثلة في غياب الأفق وغياب الاعتراف الاجتماعي؟

6. خاتمة: نحو ميثاق الصمود الحضاري

تخلص هذه الورقة إلى أن الهجرة غير النظامية عبر سبتة ومليلية هي في عمقها مؤشر على “اختبار العقد الاجتماعي”، وأن أي معالجة لا تأخذ بالاعتبار الأبعاد الرمزية محكوم عليها بالفشل.
وعليه، نقترح إطارا تحليا للتدخل يقوم على ثلاثة أعمدة متكاملة:
1. الصمود الاقتصادي: ربط النمو بالإحساس بالكرامة والعدالة المجالية.
2. الصمود التربوي: إعادة الاعتبار لوظيفة الأسرة والمدرسة والمسجد في إنتاج القيم.
3. الصمود الرمزي: إنتاج سردية وطنية جامعة تجعل من المغرب مشروع بناء لا مكان عبور.
إن السؤال المركزي الذي يجب أن توجهه العلوم الاجتماعية لنفسها هو: ماذا فعلنا حتى لم يعد للبقاء معنى؟ والإجابة عنه هي المدخل لاستعادة المعنى.

7، لائحة المصادر والمراجع

1. القرآن الكريم.
2. مدونة الأسرة المغربية، الظهير الشريف رقم 1.03.194.
3. تقارير المندوبية السامية للتخطيط حول الشباب والهجرة.
4. بورديو، بيير، أسباب عملية، ترجمة سعيد الغانمي.
5. دراسات مركز دراسات الهجرة والتنمية بجامعة محمد الخامس.
6. أعمال المجلس العلمي الأعلى حول “فقه النوازل المعاصرة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *