https://al3omk.com/219834.html

المشط التقليدي .. صناعة فاسية تقاوم الانقراض

الجزيرة.نت

يصفه أهل مدينة فاس بأنه الوريث الوحيد لحرفة أمشاط القرن (تصنع من قرون الثور) التي طالما اشتهرت بها مدينتهم المرتبط تاريخها منذ القدم بالأنشطة الحرفية التقليدية المتعددة.

الحاج محمد السعيدي هو آخر حرفي في المغرب برع في هذه المهنة التقليدية، وحافظت أمشاطه على تراث وتاريخ حرفة بحي المشاطين (تجمع صانعي الأمشاط) بفاس، وقاومت زحف الآلة والبلاستيك الرهيب.

لا يزال السعيدي الملقب بـ “شيخ” صنعة مشط القرن يعمل منذ سبعين عاما في حرفة تعود لعصور قديمة، لم يكل يوما ولم يتعب منها رغم فقد أمشاطه مكانتها لمصلحة الأمشاط البلاستيكية. يرفض التخلي عن صناعتها وتغيير اختصاص محله لتجارة أخرى.

آخر حرفي

“لن أتخلى عما أحب” يقول السعيدي للجزيرة نت، ويضيف وهو يبسط رؤيته لحرفة ربى بمدخولها وعلم أبناءه “هي هويتي ولن أتخلى عنها، وإن هجرها كل الحرفيين”.

ويضيف مؤكدا عمق علاقته بحرفته “أعمل بها منذ كنت في العاشرة من عمري، واليوم بلغت الثمانين، وليس سهلا أن أتخلى عما أتقنه”. بهذه القناعة يواظب السعيدي على ممارسة حرفة يتفرد بها في محل متواضع عتيق يفوح منه عبق تراث مغربي أصيل أبى أن يموت أو ينحني لزحف البلاستيك.

تراجع الطلب

صباح كل يوم يولي السعيدي وجهه شطر ورشته، يقضي ساعات يومه وهو يعمل على تشكيل قرون الثيران وتحويلها من مادة مهملة إلى تحف فنية يضعها في زاوية بقربه تنتظر من يشتريها.

يتوقف أكثر من سائح أجنبي يتفحص الأمشاط بكثير من الدهشة والإعجاب، ويشاهد الشيخ وهو يبدع في صنعها بأدوات بسيطة. تلقى اهتماما أكبر من السياح فيشترونها بكثرة بأثمنة تتراوح بين 5 و10 دولارات. كما يقتنيها من نصحهم الأطباء باستعمالها لأنها طبيعية ولا تدخل في مكوناتها مواد كيميائية أو مصنعة” وفق إفادة مرشد سياحي.

يؤكد الشيخ السعيدي بفخر أن لحرفته أصولا وفنونا، إذ تمر بمراحل بدءا من تسخين القرون على النار، وتحويلها لصفائح باستعمال آلة ضاغطة. ثم تحويلها لأمشاط بأحجام مختلفة بنحت أسنانها بدقة وانتظام بمنشار خاص قبل صقلها بموسي حادة لتصبح مشطا.

عمل شاق لكنه ممتع يقول السعيدي، مشيرا إلى أنه نجح في صنع أشياء أخرى كعناصر تزيين على شكل طائر وسمكة، لكنها إضافات بسيطة لم ترفع نسبة الإقبال على منتجاته.

حمدي حرفي سابق يقول للجزيرة نت “في ستينيات القرن الماضي، لم نكن نتوقف عن العمل، لأن الطلب كبير والزبائن كثر، أما اليوم فقد قل الاهتمام بهذه الأمشاط، ولم تعد تلقى رواجا بين الناس”.

فقدت مهنة صنع الأمشاط التقليدية بريقها. ويرجع الصناع التقليديون ذلك لانعدام الراغبين في تعلم حرفة لا مردودية لها، وتغيير من تعلمها سابقا وجهته لمهنة أخرى.

مقاومة

مجموعة من الحرف العريقة تقاوم اليوم مصير الانقراض عبر حرفيين متبقين يتقنونها. وتشير المعطيات الرسمية للوزارة المعنية إلى وجود 42 حرفة تراثية بالمغرب مهددة بالانقراض، تم توصيف وتدوين 22 حرفة منها عام 2016، وانطلق تدوين أربع حرف أخرى خلال العام الجاري.

ويقول مدير الصناعة التقليدية بفاس عبد الرحيم بلخياط، إن هذا الواقع دفعهم لإطلاق برنامج للمحافظة على هذه الحرف. ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن البرنامج يقوم على “توصيف وتدوين مهارات الحرفيين باعتماد تقنية سمعية بصرية حديثة، إذ يتم تكوين الشباب عبر هذا البرنامج المعلوماتي بمراكز التكوين”.

ويضيف “تمت برمجة تدوين حرفة مشط القرن في العام المقبل” مشيرا لاختيار الشيخ السعيدي لهذه المهمة بفندق السبيطريين التاريخي، الذي رمم وتأهل للاحتفاء بالخبرة التي راكمها الصانع التقليدي وتفرد منتجه. ويعد هذا الفندق محجا للسياح الوافدين على المدينة.

ويرى بلخياط أنه لا بد من البحث عن سبيل آخر لاستهلاك هذا المنتج الذي تراجع بسبب تغير نمط الحياة، وعدم استجابته لتطور المجتمع من حيث الشكل أو الاستعمال.

أما رئيس غرفة الصناعة التقليدية (هيئة منتخبة للحرفيين) عبد المالك البوطيين فنبه لأهمية التصميم والابتكار في الإنتاج لتنمية هذه الحرف. بينما يرى آخرون الحاجة لتعريف الناس بمميزات الأمشاط التقليدية وحسن تسويقها بما يضمن استمرار هذه الحرفة التقليدية وبث الحياة فيها من جديد.