جرادة في ذاكرة العمال

في ذلك الصباح البارد من شهر آذار حيث يكون الجليد بمدينة جرادة هو سيد المشهد العمال يخرجون من بيوتهم ببذلهم السوداء وأكياس صغيرة يتجهون نحو سكة القطار التي تنقلهم صوب باب المنجم. لم يكن أبي استثناء من ذلك المشهد، أمي تصب الشاي في زجاجة مربى وتحشو بيضا مقليا بكسرة خبز تلك هي وجبته الظلماء بعد ساعات من النبش حيت يمتزج الخبز بسحال الفحم فيعطيه شعور لانتماء إلى صلب الأرض، يضع كيسه على كتفه سائرا نحو السكة بعد خمس دقائق من الانتظار هاهي قديمة بلونها الأسود مثل الشبح تنثر دخانا إلى الأعلى وتشق بياض الضباب المنتشر، فتح الباب ركب الجمع. “الزواكة” تدق معلنة بأوان وقت الدخول، مراقب في باب المنجم يضبط علامات الحضور، على عتبة “لسنسور” يهوي أبي إلى عمق الأرض حيث تنقطع الأصوات البشرية وينقطع معها صياح الديك المعلن بقرب الفجر فلا صوت هناك يعلو على صوت المطارق وهزات “الكمبريسورات”، في العمق الأرض ينقطع النور وينقطع معه شعاع الشمس فقط مصابيح مثبتة على الخوذات توحي بأن الحياة لازالت مستمرة في عالم السافلين.

العمال ينبشون في عمق ثمانين مترا وعلى امتداد لا تحده مصابحهم الضعيفة. أدوراهم موزعة منهم من يهدم السقف الفحمي ومنهم من يفتت الفحم ومنهم من يضعه على “الصمطة” لتنقله للخارج… صراخ ولغط شديد… انهيار صخري أود بنصف العمال وقطع السبيل أمام النصف الآخر، حتما سنلحق بهم لا مجال للنجاة…هكذا كان كلام العمال ولم يكن ذلك تشاؤما بل تجربة لم تكن المرة الأولى التي يقع فيها الحادث فالعامل منذ أن يرى القطار الأسود قادم يضع في مخيلته جدلية الرجوع والبقاء الرجوع إلى الأهل والأطفال الصغار والزوجة التي تعودت على صب الشاي في زجاجة وارتقاب عودة زوجها بوجبة بائسة بعد العصر، أو البقاء تحت ركام الفحم ينقله إلى العالم الأبدي. رجال الإسعاف ينتشلون الجثث بعد ساعات طويلة من التنقيب حشد من الأمهات والأطفال يتفحصون الوجوه المطلية بالحمم بحثا عن أزواجهن وآبائهم، مشهد مرعب تصبح عليه مدينة جرادة باستمرار….الساعة تشير إلى ثانية بعد الزوال أبي لم يظهر بعد يقول أهل الخبرة لا شك أنه ممن قطع الانهيار طريقهم وهو في هذه الحالة إما حيا وهذا احتمال ضئيل مثل ضآلة المصباح المثبت على جبينه أو أن الغاز قد خنقهم… طرقة على الباب أقدام متسارعة كلها أمل في عودة رجل لم تتكسر زجاجة شايه بعد.. نعم قد عاد أبي كئيبا بعد أن فقد صديقه في ركام الفحم….الأهل والجيران يباركون رجوعه…

المنبه يرن الساعة في تمام الثالثة فجرا أمي تصب الشاي في زجاجة المربى… أبي يتجه نحو الشبح الأسود وهو يشق بياض الضباب….”

هذا المشهد يجسد مرحلة من التاريخ مدينة جرادة المغربية والمعاناة التي عاشها العمال وأسرهم والتي لايزالون يعيشونها بعد اكتشاف الفحم الحجري وتأسيس شركة لاستخراجه باعتباره مصدرا أساسيا للطاقة حينئذ. غير أن غلق المنجم في آواخر التسعينيات زاد من تأزم الوضع من خلال توقف العمال عن مصدر عيشهم الوحيد مما دفعهم إلى يومنا هذا لحفر آبار لاستخراج الفحم بشكل فردي غير مهيكل عبر مايسميه سكان جرادة “آبار الموت” أو “السندريات” في ظروف خطيرة أدت بكثيرين للموت والإعاقة والأمراض المزمنة كالسحال الرملي”السليكوز” مع غياب تام للتنمية بالمنطقة مما أدى لتفجير حراك شعبي نابع من عمق الأزمة شاركت فيه النساء قبل الرجال والصغار قبل الكبار..

أجمل ما في الماضي أنه يصور المراحل القاسية على أنها جميلة، ويصور المعاناة فخرا، يشدك حنين إليه ويبدو أفضل من الحاضر وأسعد من المستقبل في كل أحواله. فحياة العمال وأسرهم ونمط عيشهم في تلك المدينة كان لا يشبه غيرها من المدن المغربية؛ مدينة عمالية لها نمطها الخاص وثقافتها الخاصة النابعة من ظروف عيشها، فلم يكن لجرادة تاريخ يذكر فسكانها جاءوا من مناطق شتى مختلفة ليشكلوا مجمتعا منسجما لا تجمع بين أفراده روابط قبلية أو جغرافية، من هذه الظروف تشكل أبناء جرادة بحسهم العمالي النضالي ومن ذلك الماضي المشرق رغم سواد الفحم لمعت جوهرة سوداء في جغرافية المغربي الشرقي.

loading...

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك