أجيال إعلامية: مشبال .. إعلامي حاصره الجنرال أوفقير وأنهى البصري مسيرته الإذاعية

23 مايو 2020 - 02:00

تقف وراء وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، طاقات بشرية هائلة تسهر على إدارتها وتشغيلها والقيام بكل المهام الإعلامية، بهدف إيصال رسالتهم النبيلة في تبيلغ المعلومة للمجتمع عبر وظائف الإخبار والتثقيف والترفيه، وهو ما يُسهِم في تشكيل البناء الإدراكي والمعرفي للأفراد والمجتمعات.

فالإذاعة المغربية التي تعود سنة انطلاقتها إلى 1928، والتلفزة المغربية التي شرعت في بث برامجها سنة 1962، وعلى مدار تاريخهما، مرت أجيال وأجيال من الإعلاميين أثرت وتأثرت بهذا لكيان الذي ترك بصماته عليهم وعلى ذاكرتهم، وكلما احتاجوا لغفوة منه رجعوا بذاكرتهم للخلف ينهلون منها أجمل الحكايات.

وتبرز في هذا الإطار، أطقم البرامج والنشرات الإخبارية من مخططي البرامج ومذيعين ومحررين ومنشطين وفنيي الربورتاج والتوضيب وتقنيي التصوير والصوت وعمال الصيانة ومسوقو الإعلانات التجارية الذين يقومون بتنظيم الأعمال التجارية، إلى جانب مسؤولي العلاقات العامة والأعمال الإدارية المرتبطة بإنتاج البرامج والسهر على إعداد النشرات الإخبارية من اجتماعات التحرير إلى بثها عبر الأثير.

فطوال شهر رمضان الأبرك، تسترجع معكم جريدة “العمق” من خلال مؤرخ الأجيال الإعلامية محمد الغيذاني، ذكريات رواد وأعلام بصموا تاريخ الإعلام السمعي البصري المغربي عبر مسارهم المهني والعلمي وظروف اشتغالهم وما قدموه من أعمال إبداعية ميزت مسار الإعلام الوطني، وذلك عبر حلقات رمضانية يومية.

الحلقة الـ28 : خالد مشبال

بعد تأميم مختلف الإذاعات التي كانت تبث من طنجة، وتوحيد أطقمها البعض بقي في الرباط والباقي التحق من جديد للعمل في إذاعة طنجة التابعة للإذاعة المغربية، وكان من بين هؤلاء الاعلامي خالد مشبال، خالد وبفعل مواقفه النضالية تم توقيفه عن العمل، وأصدر جريدة “الموقف الأسبوعي” سنة 1964، ثم أصدر مجلة ” الموقف”، بعد مدة تم توقيف المجلة والجريدة من طرف وزارة الداخلية التي كان يرأسها آنذاك محمد أوفقير، وتعرض خالد إثرها للمضايقات والإعتقال والفصل عن العمل.

في فترة عطالته تم اختيار السيد مصطفى الصباغ وزوجته لتمثيل التلفزة المغربية لدى التلفزة الإسبانية، اعتذر الصباغ واقترح خالد مشبال وزوجته لهذه المهمة وقام السيد ابو بكر بنونة مدير التلفزيون بكامل إجراءاته واتصل بمشبال مخبرا إياه أنه تم اختياره وامينة السوسي بالاضافة لمحمد البوعناني للقيام بهذه المهمة لدى التلفزة الاسبانية والتي تدخل في إطار تطوير علاقات البلدين في المجال الاعلامي وكان ذلك سنة 1966.

بعد رجوع المجموعة كان التلفزيون يعيش مشاكل وخاصة في مجال المحافظة العامة، واقترح على خالد مشبال تولي هذه المهمة، وكان ذلك بداية عهده بالتلفزيون أي في سنة 1967، كانت هنالك مشاكل تم التغلب عليها بهيكلة التلفزيون وخاصة جانب البرامج وهنا أتيحت الفرصة لعدد من الفعاليات الجديدة ومن بينهم مشبال، حيث بدأت تشتغل بالرغم من كون البرامج كانت تبث بالمباشر.

ومن بين البرامج التي بقيت راسخة في أذهان الذين عاشو الفترة والتي كانت من اعداد خالد مشبال، برامج “وجها لوجه” و”بريد النظارة” و”ضيف الاثنين” و”عندما يأتي المساء” و”خميس الحظ ” و”قطار 21″، وأشرفت على تقديم وإخراج هذه البرامج مجموعة من الأسماء اشتغلت الى جانب مشبال منهم ادريس العبدي وعبد الرفيع الجواهري مصطفى القباج محمد زفزاف حسن المفتي حميد بنشريف محمد الركاب عبد الرحمان الخياط والصديق معنينو ومحمد سعيد عفيفي.

وخلال هذه الفترة اشتغل مشبال مع أربعة مديرين ابو بكر بنونة ومحمد الزياني والزموزي واقويدر بناني، هذه التجربة مكنت خالد مشبال من ترأس مصلحة المنوعات والبرامج وقسم الانتاج، يقول مشبال إن أهم فترة له في التلفزيون هي فترة المسيرة الخضراء حيث كانت فترة التعبئة العامة في التلفزيون، حيث أشرف الجميع على انتاج اغاني المسيرة هذه العملية تطلبت منهم الاشتغال ليل نهار والتواجد لمدة شهر كامل في التلفزيون.

ولأسباب عائلية غادر مشبال التلفزيون للإلتحاق باذاعة طنجة، لتبدأ المسيرة المتميزة لخالد مشبال، وعدد من صحبه المعدودين بإذاعة طنجة، أسماء لم تكن ممن يوظفون الاذاعة، كأداة للبث والإرسال لتمرير مادة مبرمجة، أو تقديم ما كان منها ضمن المباشر الحي، بل كانوا كلهم وضمنهم حتما زوجته أمينة السوسي متلاحمين بذات الأداة.

كانت الإذاعة، إذاعة طنجة منبرهم بامتياز، يذودون عنها كما لو أنها ملك كوني غير قابل للاستصدار أو الارتهان.. حتى إذا أحيل ”قبطانها” على التقاعد، وجزء من صحبه على الرحيل طوعا أو إكراها، رفضنا النازلة، وتحاملنا بقوة على مسؤولين أذنبوا في حق صنف من الإعلاميين، فأنزلوا بهم لعنة التقاعد، في حين لم يكن العياء ولا السكينة لتدركهم، أو تأتيهم لا من الأمام ولا من الخلف.

بدأ خالد مشبال مساره الإعلامي في الصحافة المصرية، خلال منتصف خمسينيات القرن الماضي، وبعد عودته الى المغرب اشتغل في الصحافة الوطنية سنة 1958، وقضى ما يناهز أربعين سنة في خذمة الإذاعة والتلفزيون، حقق نجاحات متميزة في هذا المجال ولاشك ان جيل المستمعين والمشاهدين يتذكرون ذلك جيدا، خاصة خلال فترة العشر سنوات التي تحمل فيها مسؤولية إذاعة طنجة من 1984 الى 1995.

ولد خالد مشبال بمدينة تطوان سنة 1935، من أسرة فقيرة من والد خباز، تلقى تربيته على يد والدته وزوجة أبيه بعد وفاة والدته، عاش وسط مجموعة تتكون من ثلاثين إخوة من أب واحد وزوجتين، حاول الوالد تعويض أبناءه ما حرم منه هو أثناء صباه وخاصة التعليم، حيث كانت أمنيته أن يصل أحد أبناءه درجة من التعليم والثقافة، تمكنه من الإفتخار به وسط محيطه.

في ظل هذه الظروف قرر خالد السفر الى القاهرة وعن العوامل التي شجعته على ذلك يقول: ”عوامل كثيرة حفزتنا وشجعتنا للإلتحاق بالشرق وخاصة مصر، اولا كان أغلب أساتذتنا قد درسوا وتخرجوا من مصر وكانوا ضمن البعثة الأولى التي أرسلها الشيخ محمد المكي الناصري للدراسة هناك، والعامل الثاني الذي جعلني بمعية صديقي عبد القادر السباعي نقرر مغادرة تطوان، الظروف الصعبة التي كنت أمر بها بعد طلاق أمي من أبي حيث الصدمة قوية جدا، هذه الصدمة قوت من عزيمتي للخروج من تطوان، ذهبنا الى الناظور في الحافلة ومن هناك بدأت الرحلة مشيا على الأقدام الى مدينة الأسكندرية”.

وأضاف: “تحقيقا لرغبتي وأملي في أن أكون صحفيا بدأت العمل في جريدة المصري مع مجموعة من الأسماء الكبيرة منها الروائي الكبير عبد الرحمان الشرقاوي والشاعر عبد الرحمان الخميسي واحمد ومحمود ابو الفتح، كنت أعمل كصحفي يزود هذه الجريدة بكل ما يتعلق بتطورات الأحداث في المغرب، وكنت أحظى بعطف الصحافي الشاعر كامل الشناوي والسياسي فكري اباضة، ومن الظواهر التي كانت تميز مصر عندما ينتهي العمل في الجرائد، يلتقي الصحافيون والفنانون في مقهى الفيشاوي بمنطقة الأزهر، وهناك توثقت علاقتي بمجموعة من الأدباء والصحافيين المصريين”.

وبعد جريدة المصري، يضيف مشبال: “انتقلت للإشتغال بجريدة الزمن ثم جريدة الدعوة لسان حال مجموعة الإخوان المسلمين، وأخيرا انتظمت اكثر في عملي الصحفي مع دار روز اليوسف التي احتضتني بكل العطف والرعاية وخاصة السيدة فاطمة اليوسف والدة الصحافي والروائي الكبير إحسان عبد القدوس، وكان لي الشرف ان أكون واحدا من الذين عايشوا وحضروا ميلاد مجلة صباح الخير للأستاذ احمد بهاء الدين ومجموعة من الصحافيين وخاصة رسام الكاريكاتير الشهير احمد بهجوري الذي توطدت علاقتي به حيث كان يزورني بمنزلي بطنجة كلما حل المغرب”.

وعن هذه المرحلة من حياة خالد مشبال، يسترجع صديقه الأستاذ محمد العربي المساري ذكريات المرحلة ويقول: ”إن ذهاب خاد مشبال وعبد القادرالسباعي الى القاهرة في الخمسينات كان مغامرة شاق ، غادرنا خالد ونحن في مرحلتنا الثانوية حيث كنا نصدر مجلة خطية تسمى ”مجلة الإعتصام”، وكانت لنا أيضا جمعية ”كتلة الشباب”، وكان من أنشطتها تنظيم محاضرات وتبادل الكتب فيما بين الأعضاء وتنظيم رحلات في إطار ما كان يسمى النشاط الموازي، كنت أتوصل بسيل من الرسائل من خالد، وكان يسأل دائما في عن مجلة الإعتصام وعن الكتلة وعن الأصدقاء وعن الحب والحنين ويطلب مني زيارة والدته ووالده الذي لم يستسغ الطريقة التي غادر بها خاد المغرب”.

وأضاف المساري: “كان ينصحني بعدم مغادرة مدينة تطوان قبل أن أحصل على الباكلوريا، وكان يحذرني أيضا من التوجه الى القاهرة او أية دولة أخرى في المشرق العربي، حيث يقول في احدى رسائله سنة 1953 ”لاتغرنك المظاهر فكل ما كان في أذهاننا هو باطني، أرجو ان تذهب بعد الباكلوريا الى اسبانيا وهناك سوف تتمكن من بناء مستقبلك”.

بعد رجوع خالد مشبال الى المغرب التحق بإذاعة طنجة إفريقيا واشتغل الى جانب إعلاميين متميزين من بينهم السيدة أمينة السوسي الزوجة والرفيقة، وعن هذه البدايات تحكي السيدة امينة السوسي: ”التقينا انا وخالد سنة 1958، لما جاء الى اذاعة إفريقيا طنجة التي شهدت تحولات بعد استقلال المغرب وكان على المسؤولين البحث عن عناصر جيدة تطعم عناصر القسم العربي، لم أكن اعلم بظروف خالد قبل التحاقه بالإذاعة، فقد تفاجئت بحضور عنصر جديد، جاء للتكفل بقسم الإنتاج وينتج برامج منوعة مختلفة، تمكن الإذاعة التي كان طابعها تجاريا من جلب زبائن وبرامج محتضنة من طرف مؤسسات تجارية”.

واسترسلت: “أول برنامج إذاعي لخالد هو ”على مسرح الإذاعة ” حيث كان يكتب ويخرج ويهيء رواية تمثيلية كل أسبوع، أما العمل الضخم المشترك الحقيقي الذي جمعنا هو مسلسل ”القايدة طامو”. لما جاء خالد الى الإذاعة كنت انا دون العشرين سنة، وفي تلك الفترة طلبني للزواج ثلاث زملاء، واستقر اختياري على خالد لأنه كان انسانا بسيطا ومتواضعا جدا، وفي تلك الفترة كان كل الشباب المغربي والعربي مهووسين بمصر، وكان خالد متميزا لكونه قد جاء توا من مصر، وكانت لغته مزيجا بين اللهجتين المصرية والمغربية، والشيء الجذاب في خالد بساطته المتناهية، هذه أحاسيس لفتت انتباهي، وتوالت الظروف وارتبطنا بميثاق الزواج أواخر 1961”.

سيظل اسم خالد مشبال منقوشا في الذاكرة المغربية، عابرا للأجيال والأزمنة، كما عبرت تجربته الأدبية والإعلامية أجيالا وأزمنة خلت، فهو صحفي وأديب وكاتب ومذيع ومعد برامج إذاعية، أو بالأحرى واضع استراتيجيات إذاعية وإعلامية ذكية وباهرة، وطابع وناشر، ومن المؤسسين الأوائل لمشروع الحداثة الإعلامية في المغرب.

تعرف المستمعون على خالد مشبال نهاية الخمسينات من القرن الفارط، من خلال صوته المتميز الدافيء الشجي، الآتي من إذاعة طنجة، عروس الشمال. مشبال كان أيضا سباقا إلى أكثر من مكرمة، فمن الإعلام السمعي ترحل مواهبه إلى الإعلام الثقافي المكتوب، فيصدر صحفا راقية الشكل والمحتوى، وتبقى أهم مكرمة إصداره وإنشاؤه كتاب الشهر، سلسلة شراع، عن وكالة شراع لخدمات الإعلام والاتصال، التي أسسها بعصاميته واجتهاده ، فهي سلسلة شهرية ثقافية، حظيت بإقبال كبير من طرف القراء نظرا لقيمتها وأهميتها من جهة، وليسعرها من جهة ثانية (عشرة دراهم) .

أحيل خالد مشبال عام 1994 على التقاعد الإجباري بقرار من البصري. لكن هذا الإجراء لم يكن له كبير الأثر على استمرار الإذاعة على نفس النهج التحريري، مادام خالد مشبال كان قد وضع خلال فترة إدارته للمحطة أهم أسس الإعلام السمعي الفعلية، فقد شكل شبكة من المراسلين المتطوعين على امتداد التراب الوطني وفي الدول الأجنبية التي تعرف حضور جالية مغربية كبيرة وأيضا في أهم عواصم المشرق العربي، وتم استقطاب مجموعة من الأصوات الشابة القادمة من مجال الإبداع الأدبي، استطاعت أن تحرر العمل الإذاعي من طابعه التقليدي، مثل عبد اللطيف بن يحيى وسعيد كوبريت وعبد اللطيف الفؤادي وخليل الدامون.

عملت هذه الفئة إلى جانب جيل الرواد أمثال أمينة السوسي وزهور الغزاوي، محمد الغربي فاطمة عيسى محمد بن الطيب محمد العربي الزكاف  وكانت النتيجة برامج على درجة كبيرة من الأهمية شكلت أيقونات في ذاكرة الإعلام السمعي المغربي، نذكر منها على سبيل المثل فقط ”ليلة القدر” البرنامج الاجتماعي الذي كانت تقدمه الرائدة أمينة السوسي كل شهر رمضان، وتمكنت من خلاله أن تساعد العديد من المحتاجين والمرضى الذين كانوا في حاجة إلى إجراء عمليات جراحية مكلفة و”لا أنام”، و”عبور”لزهور الغزاوي و”صباح الخير يا بحر” لبن يحيى.

وقد تميزت إذاعة طنجة خلال هذه الفترة على الخصوص بمنزعها القومي الواضح، وكانت حسب خالد مشبال الإذاعة العربية الوحيدة التي واكبت حرب الخليج الأولى عام 1991، كما أفسحت للشأن الثقافي حيزا واسعا من برامجها، واستضافت في بث مباشر أهم المفكرين والكتاب والشعراء العرب والمغاربة، كما انفتحت على رموز المعارضة الوطنية بالمغرب.

خصوصية إذاعة طنجة تمثلت في بثها الليلي وهو ما جعل منها منارة المستمع المغربي، على مدار عقود من الزمن نسجت مع هذا المستمع المفترض كل خيوط التواصل الحميمي مستجيبة لأفق انتظاره.

* المصدر: كتاب “للإذاعة المغربية.. أعلام” وكتاب “للتلفزة المغربية.. أعلام” – محمد الغيذاني 

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

الإشارات السياسية في قصة موسى.. المصلحون وشرط الوضوح في تبيلغ الرسالة

أجيال إعلامية: البوعناني .. إعلامي نقل أسرار البحار إلى المغاربة بلكنة شمالية محبوبة

أجيال إعلامية: الحاج قرّوق.. صاحب “ركن المفتي” الذي تابعه المغاربة طيلة 17 عاما

تابعنا على