أمريكا و السود.. متى المصالحة؟

29 مايو 2020 - 22:43

لا يمر يوم من السنة دون أن يذكر الرجل العظيم أبراهام لينكولن، الملقب بالمحرر العظيم، لإسهامه الجوهري في إبطال العبودية بأميركا سنة 1863 في وقت كانت الحرية تسلب من السود و تفرض عليهم الأعمال الشاقة في المزارع حيث كانت تذكرة بقائهم على الحياة هي مقدار المحاصيل اليومية المسجلة من القطن.
و لعل ابرز ما بصم تلك المرحلة هي ولاية العبيد التي كان يتاجر فيها العامة بالسود باعتبارهم “ملكيات خاصة”، و هذا ما يعلل ضرورة توفر “الزنوج” على وثيقة لإثبات حريتهم، و تعزز الأمر أكثر عند منعهم من القراءة و الكتابة.

و حتى لو أسهبنا في نصنا هذا شرحا منا لأوضاع العبيد المزرية لما تصورها القارئ نظرا للانتهاكات الصريحة و المباشرة لحقوقهم و المعاملة اللاانسانية التي كانوا يتلقونها صباح مساء و هنا نحيل القارئ على الفيلم الحائز على ثلاث جوائز اوسكار ” عبد لاثني عشر عاما” لعله يكون مرجعا دراميا لهذه الظاهرة المشينة.

قد يقول قائل أن كل الشعوب عاشت فترتها من التخلف و أن ذلك حدث في وقت مظلم للبشرية لما عرفته من صراعات و سبي و دماء آنذاك و أننا تخلصنا من مظاهر الميز العنصري، كونه واقعا لم يعد حاضرا في ظل ما نعيشه اليوم من ميثاق كوني لحقوق الإنسان، من ديمقراطية و غيرها من الشعارات الملهمة.

إلا أننا قد نختلف معه، لا لأننا لم نقطع أشواطا في حقل الحرية و التحرر البشري الخالص، بل لان الأشواط الباقية مستعصية و خفية و بالتالي صعب استخلاص خباياها من النفس البشرية، و سنقدم لماذا نعتقد بذلك في الفقرات الموالية.

فبعد الحرب الأهلية التي أفضت بإبطال العبودية و توحيد الولايات المتحدة الأميركية ، تنفس السود الصعداء و شكروا الرجل الأبيض لاعترافه بهم كمواطنين أحرار و شروعه في مرحلة إعادة البناء ((Reconstruction Era التي لم يطل تفاؤلهم بها إلا العقد الواحد حتى شرع بيض الحزب الديمقراطي في ديباجة قوانين “جيم كرو” للتفرقة العرقية التي أفسدت كل مكتسبات الشهيد أبراهام ، حيث أصبحت الدولة تفرق بين المواطنين ببناء فنادق ، مصحات ، مدارس و مرافق عمومية “للملونين فقط” (For colored only) و لا تكمن المأساة في هذا فقط بل كانت الخدمات التي يحظى بها السود ذات جودة رديئة و لا تليق بكرامة الإنسان…

لم يكن للسود من ثمرات ثورة القرن العشرين أي نصيب، فرغم التقدم الفكري و التقني استمرت معاناة السود خاصة في الولايات الجنوبية، وشاركوا في كلتا حروب العشرين خادمين الأراضي الأمريكية بكل تفان و إخلاص، و حتى في زمن الهجرة العظمى إلى بلاد العم السام لم يسلم “الملونون” من التفرقة القدحية، و كميكانيزم للدفاع، أسسوا منظمات يدافعوا باسمها على السود، و من أبرزها “امة الإسلام” التي تعتبر أن هذا الأخير هو دين للسود فاحتكروه و اعتبروا أن الرجل الأبيض دنس و لا يستحق دين الإسلام، حتى خرج مالكولم اكس – بعد زيارته للحج و مخالطته للبيض و حجاج من أعراق و أجناس متباينة – بتصريحات نافية لهاته السلوكيات ، فاغتيل هذا الأخير في محاضرة تندرج في جدول مؤسسته الجديدة.

و إذا كان القارئ تعب من هاته النبرة المتشائمة القاسية فلعل أحسن ما يرفه عنه ما كان يرفه عن السود في تلك الأوقات : الموسيقى و نخص بالذكر تحف “الجاز” أو “البلوز” التي تطرب مسامعنا بعد أكثر من قرن و تلقننا دروس في طرق الصبر و الصمود. و لمزيد من التفاؤل، نلهم القارئ بمقولة “لدي حلم” لصاحبها مارتن لوثر كينغ الذي بصم التاريخ الأميركي الحديث لمناهضته للتفرقة العنصرية بمنهج سلمي واضح و سليم، ما دفع الرئيس ليندون ب. جونسون لتوقيع ميثاق الحقوق المدنية لإنهاء التفرقة و الميز العنصري، فرحبت هوليوود بالممثلين السود الذين كانوا نادرا ما يحصلوا على دور بطولي آنذاك، ألهمت انجليز ارض مانديلا السابحة في دماء و مخلفات “الابارتيد” ، فتحت المؤسسات العمومية أبوابها للأمريكيين الأفارقة “التسمية الحالية بدل الزنوج”، فابتسمت أمريكا و “استحقت” اسم ارض الأحرار (Land of the Free) ، كما أعطت فرص للأفارقة الأميركيين لدخول مؤسساتها التشريعية و التنفيذية فأضحى من كان عبدا الأمس حاكما اليوم، و اكتملت الرواية بانتخاب أول رئيس إفريقي أمريكي اسمه الأوسط “حسين”.

وا أسفاه… يحزنني عزيزي القارئ أن خاتمتي ليست مسكا، فعندما اعتقدنا أن الصراع العرقي انتهى و اقتنع الناس بان اللون هو “لون فقط”، انتخبت “أعظم امة” رئيسا ابيضا متعصبا يعلن تحفظه “العلني” من الاسبان/المكسيكيين الأمريكيين “لاتينو” و السود، حتى الصينيين مؤخرا، و تذرع البوليس الأمريكي بخطاباته لاستعمال العنف المطلق أمام هاته الفئات و مات العديد منهم على يد الشرطة التي تدعي “الدفاع عن النفس” و لعل ما دفعنا إلى كتابة هذا المقال هي حادثة “قتل” جورج فلويد على يد ثلاث عناصر شرطة – بمراقبة عنصر رابع – بولاية مينسيوتا يوم الثلاثاء 26 ماي الجاري، فادعت “قوى إرساء النظام” أن الشهيد قاومهم بينما يتضح في شرائط الفيديو انه لم يحاول الهرب و لا حتى المقاومة، بل أكثر من هذا كيف يمكن لشخص اعزل مقيد اليدين أن يتفوق على أربع رجال مدربين و مسلحين.

كانت ردة فعل المجتمع الأمريكي قاسية و عنيفة فكسروا سيارات الشرطة، هاجموا بعض عناصرها، و عمت فوضى عارمة في كلا العالمين الواقعي و الافتراضي، حيث تزعم المشاهير، على رأسهم لاعب كرة السلة ليبرون جايمس، حملات و هاشتاغات إعلامية لمنع تغلغل العنف في صفوف “حماة الأمة” و الدفاع عن المجتمع الافرو-أمريكي تحت شعار “لا استطيع التنفس” و هي أخر كلمات المرحوم جورج فلويد قبل موته مخنوقا بركبة “الحرس”، فسرعان ما طردت السلطات العناصر الأربع مع فتح تحقيق على الصعيد الفيدرالي بأمر من عمدة المدينة.

لن ندعي بأي شكل من الأشكال أن بعض السود ليسو بمجرمين و يتحكمون في أحياء بأكملها كحي هارلم المشهور، و لكن هذا لا يمنح الشرعية بالقتل و لا العنف، فالمسطرة الأمنية واضحة و التكوين الأمريكي من “أحسن التكوينات العسكرية البوليسية”. بات واضحا أن ضحايا العنصرية كثر، نفسية كانت أو جسدية، فإنها تحصد الأرواح و الأجيال، فقد اغتيل لينكولن في القرن التاسع عشر، مالكولم في القرن العشرين، و جورج في أيامنا هاته، وقت أصبحت البشرية تتنقل فيه بين الكواكب و تدرس نظرية “العوالم الأخرى”، اعتقد بكل نزاهة أن العالم الحالي لا يحتاج ثورة تكنولوجية قدر ما لا زال في حاجة لإعادة هيكلة أخلاقية.

نتمنى أن نستطيع التنفس، فقد اختنقنا بالكراهية، و بالعنصرية، فيروسان بدون لقاح منذ ألاف السنين..

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

كيف يمكن لشركة “سيتي باص” أن تكون مواطنة؟

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

حمة وريحانة كانتا هنا

الاختلاف وتدبيره في زمن كورونا

تابعنا على