ألعاب السحر والسياسة

06 يونيو 2020 - 11:55

يبدو من الوهلة الأولى أن السحر والسياسة مجالان متباينان ومتباعدان ، بالنظر لموضوع واهتمام كل منهما وكذا أدواته ومفاهيمه… غير أن اقترانهما باللعب ، يجعل المسافة بينهما تتقلص كثيرا لتخلق مجالا شاسعا للتقاطع والتماهي …

لطالما شكل هذا الموضوع بحث واهتمام الكثير من علماء النفس والسياسة والفلسفة في محاولة لتحليل الظاهرة وتفكيك عناصرها وتحديد مبادئها …
إذا كان اهتمام السياسة ، في جديته ، يروم تحقيق المصلحة العامة من خلال رعاية كافة شؤون الدولة و” تعميم الموارد في المجتمع عن طريق السلطة ” كما يقول دافيد ايستون ، فان ألعاب السحر تتوخى الترفيه والتسلية وذلك بإحداث رجة وتصدعات مؤقتة في مسلمات معرفية وإدراكية تجعل الجمهور أو المتلقي أمام واقع و”حقيقة” توشك خلالها أسس العقل والمنطق على الانهيار والتلاشي .

بالمقابل ، اللعب في السياسة من خلال ممارستها بتصور براغماتي ضيق واقصائي تكون أهدافه وغاياته راسخة وبعيدة المدى ، لا علاقة لها بالترفيه أو التسلية ولا حتى بالأخلاق ، إذ تنطوي على كثير من التدليس والمكر المبيتين ، سعيا للحفاظ على واقع راهن أو خلق آخر جديد تراعى فيه أهداف ومصالح الفئة المهيمنة على حساب باقي الفئات…

مع ذلك ، تشترك ألعاب السحر وألعاب السياسة في كثير من المرتكزات والمبادئ المرتبطة أساسا بالإدراك والانتباه وكذا كيفية معالجة المعلومات ؛ بصيغة أخرى تحديد مستويات كل من الوعي والممكن إضافة إلى مقدار السيطرة على الأفكار والتصرفات… بما يسمح برصد مكامن الخلل في البنيات المعرفية وتحديد فراغات التجربة الواعية : تمثلاتها ، ثغراتها ، أخطاؤها… والتي تشكل أوهاما نفسية قوية وفراغات يمكن استثمارها واستغلالها عبر الخداع والتمويه لتشتيت الانتباه وتهريب الاهتمام بعيدا لصرفه عن المواضيع الرئيسية الجديرة به.

إنها خطط لتطويق مساحة التفكير والفعل وحصر الخيارات ، بل تحريكها في اتجاه محدد سلفا دون إشعار الجمهور- الضحية – بأي ضغط أو إكراه ، بل على العكس ترسيخ الوهم لديه بكون سلوكاته وخياراته صادرة بوعي كامل وإرادة حرة …

هكذا يصبح الشعور بالمسؤولية عن كثير من الأفكار والأفعال اكبر وهم على الإطلاق وهو يشبه إلى حد كبير اختيار ورقة لعب بين مجموعة الأوراق المعدة سلفا بكامل الدقة والعناية في يد ساحر محترف ؛ يشعرك بان خيارك تام وحريتك كاملة دون أن تنتبه إلى أن سلوكك ذلك ، بكل بساطة ، ما هو إلا خيار واحد مطوق وموجه بإرادته هو (الساحر) الخاصة وخياراته المحددة .

يقول الدكتور كوستاف كون المختص في علم النفس وألعاب السحر (من جامعة MAGIC LAB ) : “السحر يدور حول التلاعب بتصوراتنا … كما أن التضليل جزء أساسي من السحر وذلك عن طريق آليات تجعل الناس لا ينظرون إلى ما هو مهم ولكن صرف انتباههم وتغيير الموضوع حتى لا يرون ما يحدث أمام أعينهم … مع انطباق ذلك على الأسئلة الاجتماعية والسياسية الكبرى”.

أخيرا وعلى سبيل الختم يمكن القول انه إذا كانت الألعاب السحرية تكتسب خاصية الإمتاع والتسلية انطلاقا من ثبوت القناعة بكونها لحظية وغير حقيقية ، بل إنها في الغالب حركات تمويه وخفة يد … ، فانه على العكس من ذلك العاب السياسة كلما حادت عن الأخلاق والأعراف إلا واكتست طابع الخطورة الجمة وذلك من خلال سعيها المستميت ، بكل الخدع والحيل إلى تكريس التنافر والهشاشة والوصولية … لذا فان أي تعاط لها أو انخراط فيها ، وتحت أي مسوغ كان ، ما هو في الحقيقة ، إلا هدر للزمن السياسي و إصرار على تضييع فرص أخرى للتلاقي والتفكير المشترك في الواقع والمصير.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

جلسة مناقشة ماجستير جاك

قراءة في كتاب تنبيه معاشر المريدين على كونهم لأصناف الصحابة تابعين

كيف يمكن لشركة “سيتي باص” أن تكون مواطنة؟

تزمامارت

الحياة قائمة على التوازن بين الدنيا والآخرة

تابعنا على