وجهة نظر

أهمية القضية الفلسطينية لدى الحسن الثاني من خلال عملية السلام في الشرق الأوسط

31 ديسمبر 2020 - 16:16

أول لقاء كان بين المغفور له الحسن الثاني والرئيس ياسر عرفات سنة 1967، وقد نظم هذا اللقاء كل من سفير صاحب الجلالة آنذاك ببيروت الأستاذ أحمد بن سودة رحمه الله والأستاذ يوسف النجار الملقب ب (أبو يوسف) عن فلسطين، وحينها كانت مصر مهيمنة هيمنة تامة على القرار الفلسطيني، وكان السفير المصري في بيروت هو اللواء عبد الحميد غالب صلة وصل بين الفصائل الفلسطينية في لبنان والرئيس جمال عبد الناصر إلى أن تم تغيير جذري في عمل الفصائل الفلسطينية في تحالفاتها العربية بعد هزيمة يونيو 1967. وتشكلت حركة فتح وكانت نواتها الأولى مكونة من مجموعة من المثقفين الفلسطينيين المهاجرين في دول الخليج العربي، اذ أبدى صاحب الجلالة الحسن الثاني رحمه الله، رغبة في ربط علاقة مع هذه النواة الفلسطينية الجديدة وكلف سفيره في لبنان السيد أحمد بن سودة بالاتصال بمحمد يوسف النجار وهكذا تم الاتصال الأول.

لم يكن انغماس المغرب في القضية الفلسطينية يلقى الترحاب لدى المقربين من الملك، فعمد جلالته إلى بعثهم في مهمات مختلفة خارج الوطن، و الاجتماع الأول الذي سبقت الإشارة إليه بين جلالة الملك وأبو يوسف لم يعلم به إلا أحمد بن سودة، والجنرال حسني بن سليمان وقد عقد هذا اللقاء في القصر الملكي في الدار البيضاء على مائدة فطور الصباح، ويحكي احمد بن سودة جانبا مما دار في هذا اللقاء التاريخي فيقول ان الحسن الثاني بادر أبي يوسف بقوله “إذا كنتم تعتقدون أن استرجاع فلسطين يكون بإلقاء إسرائيل في البحر فان هذا لا يزعجني أبدا، ولكني لا آمن بصحة هذا الأسلوب وجدواه”.

فرد عليه أبو يوسف وقال “ونحن أيضا لا نرى أن هذا الأسلوب يعيدنا إلى فلسطين أو يعيد فلسطين إلينا، إننا واقعيون، وإن كل ما نريده هو دولة فلسطين، مثل لبنان يتعايش فيها بصورة ديمقراطية اليهودي والمسلم والمسيحي”.

وسأله الملك “وماذا عن اليهود الأجانب؟”، وكان جلالته يقصد يهود الشتات الموزعين على بلدان العالم. فقال أبو يوسف “إننا نقبل حتى أولائك الذين وصلوا بالأمس إلى فلسطين”. ثم قال جلالة الملك “إذا كانت هذه أفكاركم فاني أضع يدي بيدكم، فتوكلوا على الله، واعتمدوا علي”.

وعلى إثر هذا اللقاء حصل أبو يوسف على مساعدة مالية وعسكرية من الملك، ولكن من أهم ما حصل عليه هو دخول الثورة الفلسطينية البوابة الملكية إلى الحل السياسي.

في اللقاء الثاني الذي جمع المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني مع عدد من القياديين الفلسطينيين ومنهم ياسر عرفات وأبو يوسف، ودخلوا بجوازات سفر مغربية، وهكذا سرعان ما اتسعت الدائرة بعد ذلك سنة بعد سنة ليتمتع مئات من الفلسطينيين في أنحاء العالم بالاحترام الذي تضفيه عليهم الجنسية المغربية وكان هذا في مدينة أكادير وكان الزمن صيفا حارا من عام 1967 وأثناء الاجتماع جدد أبو عمار “ياسر عرفات” ما سبق أن أعلنه أبو يوسف من “إننا نقبل آخر يهودي وصل أمس إلى فلسطين” ثم قال جلالة الملك “الآن أستطيع أن أحاور الرئيس الأمريكي والرئيس الروسي”.

يروي جلالة الملك الحسن الثاني وقائع هذا اللقاء في “ذاكرة ملك” فيقول:

“التقيت لأول مرة مع القيادة الفلسطينة الجديدة في 1967-1968 بأكادير، وكنت أشعر أنني أتخاطب مع مسؤولين يدركون تمام الإدراك أنهم لم يستطيعوا أبدا هزم إسرائيل، وانه سيفرض عليهم التفاوض معها يوما ما”، (تمعنوا جيدا أيها الممانعون للتطبيع) أضف الى ذلك أنه كان لا يغيب عن بالهم أن الأعمال الإرهابية لن تمكن أبدا من استرجاع أرض محتلة خاصة إذا كان أصحابها يقيمون خارجها.

وقلت لهم اسمعوا -كلام جلالة الملك- “إني حريص أن أتعاون معكم، ولكنكم لن تفلحوا أبدا في تدمير إسرائيل، لذا عليكم أن لا تعيشوا في الأوهام، فلن تسووا مشكلتكم إذا توهمتم ذلك، وستضيعون لقادة الدول العربية وقتهم، وقد كانوا متفقين مع تحليلي هذا تمام الاتفاق” انتهى كلام جلالة الملك.

وحصيلة الاجتماع، الاتفاق على الهدف الاستراتيجي للعمل الفلسطيني كما يلي:

الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وخاصة حقه في تقرير مصيره.
إقامة الكيان الفلسطيني على أي شبر من الأراضي الفلسطينية المحررة.

وهكذا بدأت القضية الفلسطينية تتحرك بواسطة الدبلوماسية الملكية المغربية، وبأمر من جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، نظمت عدة لقاءات سرية بين قياديين فلسطينيين، مثلا “الدكتور عصام السرطاوي”، وشخصيات إسرائيلية من أصول يهودية مغربية، ولقاءات “هاني حسن” مع شخصيات فرنسية، كما نظمت لقاءات فلسطينية أمريكية، وأعتقد أنه من أهداف التطبيع العربي الإسرائيلي هو هذه الإستراتيجية أي التقارب والتواصل وبسط النظريات والأفكار.

كانت أول مرة تتلقى فيها منظمة التحرير مساعدة مباشرة بصفتها المعنوية قد جرت في عام 1967م، عندما أرسل المغرب اثر هزيمة يونيو من نفس السنة، باخرة محملة بالمساعدات الغذائية والكسائية إلى كل من مصر وسوريا، وباخرة ثالثة تقاسمها الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وعلى إثر واقعة إحراق المسجد الأقصى سنة 1969م، دعا جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله إلى مؤتمر قمة إسلامي الذي انبثقت عنه منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي هذا اللقاء كانت الكلمة العربية والإسلامية موحدة قصد مساندة القضية الفلسطينية، وكان شاه إيران “محمد رضا بهلوي” أحد زعماء العالم الإسلامي في تلك الحقبة من الزمن الذين حضروا المؤتمر فأطلعه جلالة الملك ،وكان صديقا شخصيا له، على الاتفاق الذي توصل إليه مع القادة الفلسطينيين في ضوء موقف القيادة من فكرة التعايش مع اليهود. فقال الشاه لجلالة الملك “إذا كان هذا الموقف فأنا أيضا سوف أقف إلى جانبهم مؤيدا قضيتهم”، وتعهد الشاه بالمساعدة المالية وأن هذه المساعدة ستأخذ طابع الاستمرارية.

لقد أشار جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه في خطاب ألقاه في مراكش عندما صدمه موقف القيادة الفلسطينية المؤيد لجبهة البوليساريو والذي اتخذ أثناء انعقاد المؤتمر الوطني الفلسطيني في الجزائر، وكان الأستاذ أحمد بن سودة نفسه يمثل المغرب في هذا المؤتمر، منذ القمة الإسلامية الأولى.

أ بمثل هذه التصرفات يمكن لأي عاقل أن يؤخر قضيته الأولى “الصحراء المغربية” ويمتنع عن التطبيع مع إسرائيل وهو يتلقى هدية ثمينة من الرئيس الأمريكي ألا وهي تأكيد اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء.

يلاحظ أنه و منذ القمة الإسلامية الأولى تولى جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله وضع المخطط الاستراتيجي الذي أدى في عام 1984 أثناء القمة العربية السابعة في الرباط إلى اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، و لقد ساعد جلالة الملك على تحقيق هذه النقلة النوعية في إستراتيجية العمل الفلسطيني، وتحول المغرب إلى قبلة المؤتمرات العربية الإسلامية كما تحولت الدبلوماسية الملكية إلى جسر اتصال وتواصل بين الدول العربية والإسلامية من جهة، وبين هاتين المجموعتين والمراجع الدولية المعنية مباشرة بتطورات الوضع في الشرق الأوسط “كالولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية الغربية” ولم يكن في الإمكان دفع عجلة القضية الفلسطينية لتتحرك نحو أهدافها من دون تواجد أمرين اثنين هامين ويتجلى ذلك في العناصر التالية:

فتح قناة اتصال فلسطينية-اسرائيلية، وهذا ما عمل جلالة الملك الحسن الثاني على تحقيقه رغم كل الحواجز النفسية والمعنوية والسياسية التي كانت تعترضه، ويعتقد أن أول لقاء فلسطيني-اسرائيلي عقد في المغرب بين عصام السرطاوي عضو منظمة التحرير ويهودي من أصل مغربي يعيش في اسرائيل، ولعل اللقاء كان في منزل أحمد بن سودة في حي السويسي بالرباط، ولقد شاءت الاقدار وزرت هذا المنزل لعيادة الاستاذ بن سودة عندما كان مريضا حيث أهداني مجموعة من الكتب وذلك في أول زيارة له، أما الثانية فاستقبلني أنا والدكتور يوسف الكتاني في حجرة النوم، وسهوت في التفكير وبادر مخاطبا إياي: شوفا مولاي عبد العزيز وعيناه تدرف الدموع “ترجع لي صحتي وخودوا كلشي هنا” وزاد قائلا “أنا محتاج لصحتي”.

في كتاب ذاكرة ملك، سئل جلالته لماذا استقبل في سنة 1970 رئيس المؤتمر اليهودي العالمي ناحوم غولدمان الذي كان مقربا من السلطات الإسرائيلية، فأجاب جلالته، لأنه لم تتبادر قط إلى ذهني فكرة رفض شخص ما لمجرد كونه يهوديا ولا غرو في ذلك، لأن هذا الموقف نابع بكل تأكيد من صميم التقاليد المغربية المتجرة ومن تاريخ المغرب، حيث أن يهود المغرب وعربه عاشوا على الدوام في كنف ووئام تام، فهم جميعهم ينتمون إلى نفس البلد. وبعد أن اقترح علي هذا اللقاء قلت “لا أرى مانعا من ذلك” لا سيما وأنا أحب أن أتسلى بين الفينة والأخرى بالكلمات المتقاطعة، إنها رياضة ذهنية ممتازة”.

ولما سئل قدس الله روحه عن تفسير لهذا التمازج العفوي الذي أدى على هذا التعايش بين اليهود والعرب منذ قرون عديدة، قال جلالته “لم أفكر في ذلك أبدا، وهذا هو الغريب في الأمر، إني لم أشعر أبدا بوقوع أدنى نزاع، ولم أحس في وقت ما لا باندفاع ولا بنفور، واعتبر أنه من الطبيعي ومن باب الإنصاف أن يأتي يهودي وعربي لمقابلتي ويقول كل منهما لي “إننا نريد أن تصغي إلينا وتسوي خلافاتنا”، وبالطبع سأصغي إليهما معا وبنفس الاهتمام، وازعي في ذلك هو تلمس طريق الصواب أو لنقل البحث عن دراسة الجدوى، وان كان مصطلح دراسة الجدوى اقتصاديا فيمكن تطبيقه في المجال السياسي”.

تحقيق تقدم ملموس في مساعي التسوية السياسية بين اسرائيل والعرب، ولعل القرارات التي اتخذها مؤتمر القمة العربي المنعقد في مدينة فاس سنة 1982، يشكل البداية لحركة عربية مشتركة نحو التسوية مع اسرائيل، بعد أن كانت الحركة محصورة حتى ذلك الوقت بمصر وحدها –لقاء كامب ديفد سنة 1979-

وللإشارة هنا، فإن قمة فاس لم تعن الإعتراف العربي باسرائيل، وإنما اعترفت بوجود اسرائيل، ورسمت طريق الحل والتسوية على هذه القاعدة.

لقد مرت العلاقات المغربية الفلسطينية في مطبات عديدة طوال الفترة الممتدة من مؤتمر فاس سنة 1982 حتى مؤتمر مدريد سنة 1991، ثم اتفاق أسلو سنة 1993، خلال هذا العقد من الزمن حدثت الهزة الكبرى التي زعزعت كيان منظمة التحرير الفلسطينية، حيث أخرجت من لبنان إثر الاجتياح الإسرائيلي الذي وصل إلى بيروت، وانتقلت المنظمة إلى تونس وبقيت على صلة وثيقة مع الدبلوماسية الملكية المغربية التي أقامت لها جسورا إلى الإدارة الأمريكية، وإلى حكومات أوروبية وتمت لقاءات واتصالات عبر هذه الجسور وبودلت أفكار ومشاريع لعل أبرزها إعلان ياسر عرفات من جنيف ومن استوكهلم في عام 1988 نبذ العنف كأداة للتحرير، هذه المسيرة أدت إلى التوصل إلى اتفاق غزة أريحا، أولا في أسلو والذي وقعه ياسر عرفات واسحاق رابين وبيل كلينتون.

يلاحظ من خلال ما تمت الإشارة إليه:

سنة 1967 في مدينة أكادير وضعت منهجية العمل الفلسطيني.
سنة 1969 في مدينة الدار البيضاء تم وضع الإطار الإسلامي للقضية الفلسطينية.
سنة 1974 في الرباط وضعت الشرعية المستقلة للعمل الفلسطيني.

رحم الله جلالة المغفور له الحسن الثاني، ومتع خلفه الصالح سيدي محمد السادس بموفور الصحة والعافية وطول العمر ليتابع هذه المسيرة ذات البعد الديني والإنساني والقومي حتى يصل الى تحرير دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف، إن شاء الله، أدام الله له العز والنصر، وفي اعتقادي أن البوابة الأساسية لتحقيق هذا الهدف هو التطبيع المغربي الإسرائيلي.

واعترافا بالجميل ومن خلال المجهودات الشاقة التي قام بها جلالة الملك الحسن الثاني لتقريب وجهة الدول العربية واسرائيل على مدار السنوات وجلالته يدافع عن القضية الفلسطينية، ويوم 9 يوليوز من هذه السنة 2020 قامت صحيفة اسرائيلية وهي تتحدث بالعربية بتعداد مظاهر التكريم التي قامت بها اسرائيل لتخليد اسم الحسن الثاني في الذكرى (91) لعيد ميلاده قدس الله روحه، وهو العمل الذي لم تقم به فلسطين، كما أطلقت اسرائيل إسم الحسن الثاني على أهم الشوارع الرئيسية في بلدة كريات عكرون، وأقيمت حديقة لتخليد ذكراه في مدينة أشدود، وأقيم ممر باسمه في مدينة كريات جات، وعند وفاته يرحمه الله أصدرت اسرائيل طابعا بريديا يحمل صورة جلالة المغفور له الحسن الثاني ملك المغرب، فمعالم التكريم هذه لم تأت من فراغ.

لاحظوا ماذا فعل الإسرائيليون لتكريم جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه على الرغم من أن جلالته كان أحيانا يقسوا عليهم بخلاف الفلسطينيين الذين كان يولي قضيتهم الأهمية القصوى، والتي ورثها جلالة الملك محمد السادس أعز الله أمره عن والده، وفي مقابل الأفعال المشينة التي مارسها الفلسطينيون على القضية الاولى للمغاربة “الصحراء المغربية” نجد الولايات المتحدة الامريكية لم تنس الخير الذي أسداه لها المغرب عندما كان هو أول من اعترف باستقلالها ، وقد مر على هذا الاعتراف 243 سنة (1777/2020) بينما نجد الفلسطينيين كلما اقترب المغرب من إيجاد حل لقضيته الاولى “الصحراء المغربية” تجدهم يهبون إلى الجزائر التي تنكرت هي الأخرى للجميل، وذلك لتحريض ما يسمى بالبوليساريو على المغرب.

وبهذه المناسبة، أوصي بإنشاء جمعية الصداقة والتعاون المغربية الأمريكية وذلك من أجل الترابط والتقارب بين الشعبين المغربي والأمريكي وتذليل الصعاب كلما وقع طارئ غير محمود.

ولنا عودة في هذا الموضوع لأن ما قدمه الحسن الثاني للقضية العربية لا يمكن اختزاله في مقال او اثنين، اللهم كل حرف من هذا المقال بألف رحمة على جلالة الملك الحسن الثاني في مطلع كل فجر، واطلب من كل قارئ أن يقول آمين.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

حاجة حزب العدالة والتنمية الى رؤية سياسية جديدة بجيل جديد من القيادات

وجهة نظر

في تبخيس قيمة الصوت الانتخابي للمواطن

وجهة نظر

التوفيق والتلفيق والهوية الاجتماعية

تابعنا على