وجهة نظر

زواج المال بالسلطة!!

12 مايو 2021 - 13:12

زواج المال بالسلطة، عبارة يستعملها الكثير من السياسيين لردع خصومهم في العمل السياسي، وهي مثل قاعدة جازمة لا نقاش فيما تستخلص من نتائج مجملها يقترن بالفساد، غير أن زواج المال بالسلطة عند ما يشاع استعماله عرفيا إن كان يفيد النفوذ والفساد، فإن مفهوم المخالفة لمنطوق العبارة يفي أن زواج الفقر بالسلطة يفيد النضال والتضحية.أو توظيف معنى آخر يكمن في أن زواج المال بالسلطة قد تكون نتيجته الديكتاتورية المطلقة، وطلاق المال عن السلطة قد تكون نتيجته الديمقراطية المقيدة ( مقيدة، لأن الفقر يكون رادعا نفسيا لممارسي السلطة ). وهذا الاحتمال في تفسير المعنى إن كان صوابا عند البعض أو خطأ، فهو يفرض نفسه في النقاش وتحليل المعنى، كجدلية في الفكر السياسي عامة.

إن هذا التوظيف للعبارة يحتاج للوقوف على ايديولوجية المدارس السياسية التي تستعمله كأحد الأسلحة الجدالية ( الجدال ) لاستهداف رجال المال والأعمال الذين يلجون غمار الممارسة السياسية، والسبب الرئيس في ذلك هو المال باعتباره سلطة مادية تفرض نفسها في التوازنات الكبرى المرتبطة بأي موضوع يكون محط تعثر ونقاش، مما يعني أن المال في ( باطن ممارسته سلطة ) ليكون ما بعده في الترتيب، مقترن بنسيج العلاقات المؤسساتية ذات النفوذ في صناعة القرار داخل الدولة، على مستوى (ظاهر عبارته وهو المعروف تداولا – سلطة -) . وهذا يدفع إلى توضيح أعم وأفضل يكمن في قول، زواج السلطة بالسلطة. فهل يمكن اعتبار هذا المعنى سليم..؟

ليس هناك خلاف بين كل الشرائع السماوية والوضعية في أن المال هو عصب الحياة وإكسير استقرارها ودوام استمرارها، والجانب المستبطن عند أهل سلطة المال، لا يخرج عن مستويين.

الأول: استخدام عملي باستثمار المقومات المادية والمعنوية لتزكية المال وزيادة وفرته.

الثاني: استخدام وظيفي يعمد مقاربة أمنية ، من خلال استعمال كل الممكنات لحماية المال.

وكلاهما يحتاجان شرط ( الوسائل )، لذا تكون من الإسقاطات الداخلية على كل هدف لتحقيقه، أو فعل لتبريره، البحث عن هذه الوسائل، وفي الغالب الأعم تكون مقترنة بالسلطة في ظاهرها، ومدار ذلك كله، يعتبر حق مشروع من حيث طبيعة المسببات التي يتم توظيفها، شرط عدم المساس بمصالح الغير.

وكذلك تعتبر السلطة قواعد إجرائية تستخدم كنسيج مترابط يصب في معظمه لتبسيط مساطر الوصول إلى الغايات، بالضمانات القانونية المرتبطة بكل هدف على حدة.

إلى هنا نكون قد طرقنا باب النقاش بما هو متوافق مع خطاب نظرية المقابلة ( المال = سلطة / السلطة = السلطة )، وأن زواج المال بالسلطة، يعني زواج السلطة بالسلطة، وجدلية زواج المال بالسلطة لا تخرج عن احتمالية الفئات الأربع:

الأولى : النموذج الذي يمتلك المال ويمتلك السلطة، وهذا النموذج لا يخرج عن فئتين، فئة تمتلك المال والسلطة ويطغى عليها روح المبادرة، التي تكتسي الجانب الأعم في استثمار المكسبين لاستعمالهما كوسيلة لخدمة الوطن وزرع روح المواطنة، وهو ما عرفه المغرب إبان عهد الاستعمار خاصة، وبما هو نسبي في وقتنا الراهن، حيث وجدت مجموعة من العائلات التي وضعت يدها مع المؤسسة الحاكمة لطرد المستعمر ولخدمة الوطن وهيكلة الدولة بروح مواطنة، سواء بصفة علنية أو سرية، وفئة ثانية استثمرت علاقتها بالسلطة لتحمي مصالحها واستغلال المتغيرات المتحولة لكسب المزيد من المزايا المالية والسلطوية، باستعمال فلسفة ( إظهار خلاف ما يبطن ) وطغيان الروح النرجسية.

الثانية: النموذج الذي يمتلك المال ولا يمتلك السلطة، وهو النموذج الذي تحكمه لغة الأرقام، من خلال زيادة معدل الربح والإنتاج والتوسع المالي، وسلطته تنحصر فيما يده موضوعة عليه من صلاحيات مقاولاتية، تخول له استثمارها كسلطة في الرأي والقرار ، وهم كذلك فئتين، من يستخدم مقوماته المالية ، محاولة منه في كسب السلطة بصفته مشرفا ومنفذا لها، ومنهم من يستثمر ماله لنسج علاقات مصلحية مع من يمتلك السلطة لاستعماله كوسيلة لقضاء حوائجه ومصالحه تحت رعايته وإشرافه .

الثالثة: النموذج الذي يمتلك السلطة ولا يمتلك المال، وهو النموذج الذي يسعى إلى بسط سيطرته على كل ما تسمح به محددات صلاحيته في ممارستها، دون قيد أو شرط، وهم فئتين، من يستخدم سلطته بما يتوافق مع قواعدها القانونية والروابط الأخلاقية التي يستعملها في بسط سلطته، ومن يستخدم سلطته ليفتح باب الاستفادة الغير متوافقة مع روح الأخلاق والقواعد القانونية التي تحكم مجال اختصاصه، سعيا وراء البحث عن توسيع مجالات السلطة كممارسة، أو سعيا وراء كسب مالي يسمح بتحسين محاسن العيش في نظم الاستهلاك.

الرابعة: النموذج الذي لا يمتلك المال ولا يمتلك السلطة، وهو النموذج العالة على نفسه والمجتمع، وهو الذي يطغى عليه ترقب الحالات الثلاث، مستشهدا بكل الأساليب الكلامية، في النقد واليأس ولغة الملاعنة.

كما عرف نقاش زواج المال بالسلطة توظيف من كل المستويات وخاصة المشتغلين بالسياسة، هذا التوظيف الذي يعمد استثمار هذه القاعدة كمسلمة للضرب في الخصوم السياسيين، الذين لهم لغة المال في حياتهم الشخصية، أي رجال الأعمال، حيث تختلف طبيعة الأيديولوجيات في هذا التوظيف .وإسقاطا على العالم الإسلامي، فإن التيار الإسلامي الممارس للسياسة، يكاد يجزم أن جدلية زواج المال بالسلطة، هي أسوء ما يمكن أن يحدث في الممارسة السياسية، مستشهدين بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، بصفته كان رجل بناء الدولة، غير أنه كان فقيرا، وهنا نقف لحظة تأمل حول ذلك، من خلال توضيح أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كان في بدايته فقيرا، فأغناه الله تعالى ( ووجدك عائلا فأغنى )، وهو القائل ( وأعطيت مفاتح الأرض ) هذا دون الخوض فيما اختصه به الله سبحانه من وسائل سخرت له كل مقومات الكون. وأنه كان فقيرا، بما جاء من روايات حديثية نسبت له ذلك، إنما كان السياق مناطه التربية والتأسيس، أي تربية الناس على العمل بصفته قدوة، وتربية الناس على التأقلم مع منظومة السنن وما تفرزه من تحديات. وبعيدا عن مميزاته الخاصة به، ننزل منظومة السنن على سيرته تأملا، لنرى في بداية رسالته، أن من كان سببا في ضمه ( زملوني، دثروني) هي زوجته أمنا خديجة، وهي أغنى نساء العرب حينها، وكان شريكها في التجارة. وكذلك الصحابة الأجلاء رضي الله تعالى عنهم، أبا بكر ( من أغنى رجال العرب ) عثمان بن عفان( من أغنى رجال العرب ) ولا زال وقفه لوقتنا الحالي، وغيرهم. لذا لا يمكن أن نستشهد بحال اختص به النبي صلى الله عليه وسلم ونعمل على إسقاطه وتنزيله في عصرنا، لنوهم الناس بقناعة فساد معادلة زواج المال بالسلطة دينيا.

وهناك فئة لا توظف الجانب الديني، ولكن أيديولوجيتها سواء كانت قومية أو يسارية أو غير ذلك، فإنها تسلم بفساد التقاء المال بالسلطة، لأن المال في نظرها شرطه التساوي، وعدم وجود أي تفاوت طبقي بين الناس، وأن المكتسب من المال هو حق الجميع، وأن الجمع بين المال والسلطة هو جمع بين وسيلتين غالبا ما يطغى عليها الفساد، وهي إما ترى بحماية المال عن طريق السلطة، أو توظيف المال لتوسيع السلطة، أو استعمال السلطة لزيادة المال، أو استعمال السلطة لجني المال، وعندهم نماذج على ذلك من خلال استشهادهم بجوزيف كيندي الأب الذي اشترى البيت الأبيض لابنه الرئيس،أو تشيني، برلسكوني،ال روكفلر وال روتشيلد،يوليا تيموشينكو رئيسة الوزراء المليارديرة،الوزيرة بليندا ستروناش المليارديرة، أرسطوأوناسيس،تاكسين شيناواتارا رئيس الوزراء الملياردير،خودوركوفسكي ، وغيرهم الكثير، لكن هي مسلمات تصدق عليها قاعدة ( قياس مع وجود الفارق) لأن المنهج العلمي يفرض الحديث، عن السياق، والمجال محدد للأحداث، وطبيعة مكونات الحدث في مكانه وإقليمه، وعن طبيعة الناس وتريخهم المرتبط بصناعة المال والولوج إلى عالم السلطة من حيث الظرفية الزمانية والمكانية.

وعموما إن نقاش زواج المال بالسلطة، هو معيار قد مات سياسيا في أدبيات الدول الراقية والمتقدمة التي تسعى بالنهوض ببلدانها إلى مصاف العالمية، وسلطة المال في عصر العولمة هي السوق المفتوحة، التي تدفع برجال المال أن يوسعوا دائرة سلطتهم دون تقييد هذه الأخيرة في المجال الجغرافي الذي ينتسبون إليه.

لذا ليس العيب أن يستثمر المال في بناء سليم للسلطة، ولكن العيب كل العيب أن تستثمر السلطة في نهب المال.

* عبدالله أبوعوض أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بجامعة عبدالمالك السعدي

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

وجهة نظر

الإقتصاد الفضي: إسهام بالملايير للمسنين في الإقتصاد

وجهة نظر

المغرب، إسبانيا نهاية الأزمة الباردة

وجهة نظر

قانون تصفية معاشات البرلمان: قراءة في قرار المحكمة الدستورية ورفض مجلس النواب

تابعنا على