الإعاقة ليست سبة.. حذار من الخطاب التمييزي

خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب ليوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، وأثناء تعقيبه على المداخلات المتعلقة بتواجد الجامعات بمختلف جهات المملكة، استعمل السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي عز الدين ميداوي عبارة تُشير إلى عدم الرغبة في الوصول إلى وضعية “زواج مانغولي” (Mariage Mongolien)، في إشارة مجازية إلى معايير إحداث الجامعات.
أرجح كثيرا، أن السيد الوزير لم يكن في قصده ولا في نيته، الإساءة للأشخاص في وضعية إعاقة أو لأسرهم، إلا أن قياس أثر ما قاله، لا يتم بناء على نيته، بل بمقدار الضرر الذي يمكن أن يكون ذلك التوصيف، قد الحقه بهذه الفئة المجتمعية، خصوصا وأن التعبير صدر من مسؤول حكومي، ومن داخل قبة البرلمان، وتم عبر النقل المباشر لأطوار جلسة الأسئلة الشفوية.
إن هذا الاستخدام، لمصطلح مرتبطة بالإعاقة كوصمة أو لتوصيف حالة من السلبية أو الخلل في الخطاب السياسي والتنفيذي، يحيل على أهمية التزام المسؤولين الحكوميين بالمفاهيم الدقيقة وحفظ كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة، وإعطائهم للنموذج المجتمعي.
وأسجل في هذا الصدد، الملاحظات المنهجية والحقوقية المرتبط بسوء الاستخدام هذا
أولا: الإساءة في استعمال مصطلح الإعاقة للتعبير عن السلبية
إن استعمال مصطلح مرتبط بإعاقة معينة (مثل المتلازمة المعروفة بـ “متلازمة داون” والتي كانت تُسمى قديماً بالمنغولية) للتعبير عن الرداءة أو السلبية أو وضعية غير سليمة، يُعتبر توظيفاً غير موفق للمصطلحات الإنسانية والحقوقية. فاللجوء إلى وصف حالة إدارية أو علمية متردية باستخدام تعبير يرتبط بذوي الإعاقة يحول حالة صحية جينية إلى مرادف للخلل والضعف والتعثر، بل إلى سبة أحيانا.
ثانيا: المؤاخذات على الخطاب وتكريس التمييز
تتحدد المؤاخذات السياسية والحقوقية على هذا النوع من الخطاب في النقاط التالية:
- تغذية الصور النمطية: يكرس هذا التعبير النظرة الدونية والسلبية تجاه الأشخاص في وضعية إعاقة، ويختزل قدراتهم وإنسانيتهم في قالب لغوي يُستخدم كشتيمة أو لتوصيف النقص.
- الوصم الاجتماعي: يسهم الصدور عن مسؤول حكومي يمثل سلطة تنفيذية في إضفاء شرعية غير مباشرة على مصطلحات يُفترض القضاء عليها ومحاربتها في السلوك اليومي واللغوي للجمهور، ويتنافى مع مجهودات كل الحكومات المتعاقبة، المرتبطة بتكريس حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة،
- التناقض مع البعد التربوي: يتنافى هذا التصريح مع الأدوار المفترضة لوزارة التعليم العالي، والتي تُعنى بنشر المفاهيم العلمية والدقيقة داخل المجتمع.
ثالثا: الأثر النفسي والشعور المحتمل لأسر الأشخاص في وضعية إعاقة
من دون شك، سيحدث التلفظ بمثل هذه العبارات تحت قبة المؤسسة التشريعية مشاعر ألم واستياء لدى أسر الأشخاص المصابين بمتلازمة داون أو ذوي الإعاقة الذهنية عموماً:
- الشعور بالتهميش والإهانة: تشعر هذه الأسرة بأن نضالها اليومي لإدماج أبنائها في المجتمع والتعليم يتم التقليل من شأنه عبر اختزال حالة أبنائهم في وصف يُطلق على الوضعيات المتردية.
- الإحباط من خطاب المؤسسات: ينتظر الأسر من المسؤولين الدعم والتمكين واتخاذ قرارات تُدمج أبناءهم، وتداول هذه المصطلحات يولد خيبة أمل وتشكيكاً في مدى وعي القائمين على الشأن العام بمعاناتهم اليومية.
رابعا: مدى خرق الخطاب لمقتضيات القانون الإطار رقم 97.13
يتعارض هذا الخطاب مع المبادئ العامة للقانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، ولا سيما:
- المادة 2 والمادة 3: اللتان تؤكدان على مبدأ حظر التمييز على أساس الإعاقة، والالتزام باحترام الكرامة المتأصلة للأشخاص في وضعية إعاقة واستقلاليتهم الذاتية، وهو المبدأ الذي تم التأكيد عليه في ديباجة الدستور، والتي حظرت أشكال التمييز، على أسس، من بينها الإعاقة،
- التزامات مناهضة الصور النمطية: ينص القانون على ضرورة نشر التوعية والتثقيف وتصحيح التمثل الاجتماعي حول الإعاقة، حيث يُعتبر استخدام مصطلحات مسيئة من قبل مؤسسات الدولة خرقاً لروح هذا النص القانوني الذي يلزم المسؤولين بالتعامل بمسؤولية لغوية وحقوقية.
خامسا: الاختلالات بالنظر إلى الالتزامات الدولية للمغرب
صادق المغرب على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الاختياري الملحق بها. ويُظهر التصريح تعارضاً مع هذه الالتزامات من خلال:
- خرق المادة 8 (إذكاء الوعي): تلزم هذه المادة الدول الأطراف باتخاذ تدابير فورية وفعالة لإذكاء الوعي بمراعاة حقوق ذوي الإعاقة، ومكافحة الصور النمطية والقوالب النمطية والممارسات الضارة المتصلة بهم في جميع مجالات الحياة.
- المسؤولية الحقوقية للمسؤولين العموميين: تقتضي الالتزامات الدولية ألا ينطوي أي خطاب رسمي على ممارسات تمييزية أو مصطلحات قد تؤدي إلى الحط من القدر الإنساني للأفراد بناءً على حالتهم الصحية أو الجينية.
بعد تجديد التأكيد على تقديري أن السيد الوزير لم يقصد الإساءة، فإنني أعتقد أن من واجبه التعجيل بتقديم الاعتذار، لإيقاف كل التفاعلات المشروعة، مع خطاب بعيد عن قيم التواصل الدامج.
اترك تعليقاً