الاستعداد لموسم الثلوج لا يحجب “اختلالات الهوامش”.. الشتاء يجدد مطالب فك العزلة بالمناطق الجبلية

تضع التساقطات المطرية والثلجية المناطق الجبلية أمام تحديات متجددة، في ظل ما تكشف عنه كل سنة من اختلالات مرتبطة بهشاشة البنيات التحتية، خاصة بالمناطق النائية التي تجد ساكنتها صعوبات في التنقل والتزود بالمواد الأساسية والولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية، فضلا عن محدودية الإمكانيات المتاحة للتدخل خلال فترات البرد القارس.
وبين التدابير الاستباقية التي تباشرها الجماعات الترابية استعدادا للموسم الشتوي، والمطالب الداعية إلى اعتماد حلول هيكلية وسياسة عمومية مستدامة لفك العزلة، تتجدد أسئلة العدالة المجالية ومدى قدرة التدخلات الحالية على حماية ساكنة المناطق الجبلية من تداعيات التقلبات المناخية.
تجاوز التدابير الموسمية
وفي هذا السياق، اعتبر الحسين المسحت، نائب رئيس الائتلاف المدني من أجل الجبل، أن موسم التساقطات المطرية والثلجية يعيد إلى الواجهة حجم الفوارق التنموية التي تعرفها المناطق الجبلية، كما يكشف محدودية قدرة البنيات التحتية على مواجهة التقلبات المناخية، مشيرا إلى أن العزلة الطرقية تظل من أبرز مظاهر الهشاشة، بالنظر إلى ما تسببه الثلوج من انقطاع للمحاور الطرقية والمسالك، وما يترتب عن ذلك من صعوبات في تنقل السكان والولوج إلى الخدمات الأساسية.
وأوضح المسحت، في تصريح لـ”العمق”، أن حجم هذه الإشكالية يتجلى، وفق المعطيات التي قدمها، في إغلاق نحو 5 آلاف كيلومتر من الطرق المحلية والإقليمية سنويا بسبب التساقطات الثلجية، وعزل أكثر من 4 آلاف دوار بمرتفعات الأطلس والريف، معتبرا أن هذه الأرقام تعكس استمرار ضعف التجهيزات الطرقية وعدم قدرتها على ضمان استمرارية الربط بين التجمعات السكنية والمراكز الحيوية خلال فترات التقلبات المناخية.
وأضاف أن المفارقة تكمن في كون الثلوج، رغم اعتبارها موردا استراتيجيا للمياه ودعامة للأنشطة الفلاحية والسياحة البيئية، تتحول في المقابل إلى عامل يعمق الهشاشة الاجتماعية، في ظل غياب مقاربة تنموية شاملة تضمن استفادة الساكنة المحلية من المؤهلات الطبيعية والاقتصادية للمجال الجبلي.
وسجل المتحدث أن البرامج القطاعية تظل محدودة الأثر ما لم يتم التنسيق بينها في إطار رؤية موحدة، مشيرا إلى أن تداعيات العزلة لا تقتصر على صعوبة التنقل، بل تمتد أيضا إلى الولوج إلى الماء الصالح للشرب والتدفئة.
وفي هذا الإطار، أفاد المسحت بأن أكثر من 35 في المائة من الدواوير الجبلية، بحسب تقديره، تفتقر إلى الربط الفردي بالماء الصالح للشرب، أو تعاني ضعف استمرارية التزود به خلال فصل الشتاء، مبرزا في الوقت ذاته الأعباء الإضافية التي تتحملها الأسر لتوفير وسائل التدفئة، في ظل اعتماد عدد منها على الحطب وما يفرضه ذلك من تكاليف على ميزانياتها المحدودة.
وعلى مستوى الخدمات الاجتماعية، نبه نائب رئيس الائتلاف المدني من أجل الجبل إلى أن العزلة الشتوية تطرح تحديات حقيقية أمام ضمان الحق في الصحة والتعليم، خصوصا عندما تحول التساقطات الثلجية دون وصول المرضى إلى المؤسسات الصحية، أو تتسبب في توقف الدراسة بالمؤسسات التعليمية الموجودة بالمناطق النائية.
وأشار إلى أن هذه الظروف تزيد من معاناة الفئات الهشة، ولا سيما النساء الحوامل والمواليد الذين قد يحتاجون إلى تدخل طبي عاجل، في ظل تعذر التنقل وطول المسافات الفاصلة بين الدواوير والمراكز الاستشفائية.
واعتبر المسحت أن التدابير الموسمية المعتمدة لمواجهة موجات البرد، بما فيها توزيع المواد الغذائية والتدخلات الاستعجالية، تظل محدودة الأثر ما لم تواكبها إصلاحات تعالج الأسباب البنيوية للهشاشة، داعيا إلى الانتقال من منطق التدخلات الظرفية إلى سياسة عمومية مندمجة تستحضر خصوصية المناطق الجبلية في التخطيط وتوزيع الاستثمارات والميزانيات.
وشدد، في ختام تصريحه، على ضرورة إخراج قانون إطار خاص بالمناطق الجبلية، يكرس مقاربة تراعي الإكراهات الطبيعية والمجالية لهذه المناطق، إلى جانب تأهيل الطرق والمسالك، وتعزيز العرض الصحي، وتوفير مؤسسات تعليمية مجهزة بالداخليات ووسائل التدفئة، بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية خلال فترات التساقطات المطرية والثلجية.
محدودية الإمكانيات
وتبرز هذه الإكراهات البنيوية بشكل أكبر على مستوى التدبير المحلي، حيث تجد الجماعات الترابية بالمناطق الجبلية نفسها أمام مسؤولية تأمين التدخلات الاستعجالية وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، في ظل محدودية الإمكانيات المتاحة وتعدد المسالك المعرضة للانقطاع خلال فصل الشتاء.
وفي هذا الصدد، كشف خالد تيكوكين، رئيس جماعة تبانت بمنطقة آيت بوكماز بإقليم أزيلال، أن الجماعة شرعت في اتخاذ مجموعة من التدابير استعدادا للموسم الشتوي، تشمل مراقبة الحالة الميكانيكية لسيارات الإسعاف والآليات المتوفرة، إلى جانب اقتناء آليتين جديدتين، توجد إحداهما، المخصصة للمساهمة في فتح الطرق، في طور التسليم، بهدف تعزيز قدرات التدخل عند تسجيل انقطاعات في المسالك الطرقية بسبب التساقطات الثلجية.
وأوضح تيكوكين، في تصريح لـ”العمق”، أن الخصوصية الجغرافية للمناطق الجبلية وارتفاعاتها تجعل فصل الشتاء محملا بإكراهات متعددة، لا تقتصر على انقطاع الطرق، بل تشمل أيضا صعوبة تأمين خدمات الإسعاف والنقل الصحي، واحتمال تعثر الدراسة وانقطاع الكهرباء والإنترنت، فضلا عن تحديات التزود بالمواد الغذائية وقنينات الغاز، خصوصا خلال الفترات التي تستمر فيها التساقطات الثلجية لمدد طويلة.
غير أن هذه الاستعدادات، وفق رئيس الجماعة، تصطدم بمحدودية الإمكانيات الذاتية المتاحة، إذ لا تكفي الآليات المتوفرة لمواجهة مختلف الظروف الاستثنائية، خاصة أن التدخل في المسالك التابعة لوزارة التجهيز يتم بواسطة آليات الوزارة، بينما تظل المسالك الرابطة بين الدواوير ومركز الجماعة من أبرز نقاط الضعف، بالنظر إلى ارتباطها اليومي بتنقل السكان نحو المؤسسات التعليمية والمركز الصحي والمرافق الإدارية، فضلا عن قضاء أغراضهم المرتبطة بالتبضع والتسوق.
وأشار تيكوكين إلى أن هذا الوضع يفرض على الجماعة الاستعانة بآليات مجموعة الجماعات، والاستفادة من تدخلات وزارة التجهيز في الحالات التي تستدعي ذلك، بالنظر إلى تعدد المسالك وصعوبة ضمان صيانتها وفتحها بالإمكانيات المحلية المتاحة.
ولفت المتحدث إلى أن دواوير واوس ومدنت والسمت، إلى جانب مناطق أخرى بعيدة عن الطريقين الجهويتين رقم 302 و317، تعد من بين المناطق الأكثر عرضة للعزلة خلال فصل الشتاء، مقدرا عدد الدواوير المعنية بهذه الإشكالية بما لا يقل عن 18 أو 19 دوارا.
وأكد رئيس جماعة تبانت، في ختام تصريحه لـ”العمق”، أن ضمان ظروف عيش الساكنة خلال فصل الشتاء لا يرتبط فقط بفتح الطرق والمسالك، بل يشمل أيضا ضمان استمرارية التزود بالمواد الأساسية والماء والكهرباء، وتأمين الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية.
واعتبر أن مواجهة هذه التحديات تظل مسؤولية مشتركة تستدعي تعبئة مختلف المتدخلين، كل حسب اختصاصاته، وتعزيز التنسيق والتكامل في التدخلات، بما يضمن الحد من آثار التقلبات المناخية ويحمي ساكنة المناطق الجبلية من العزلة خلال فترات البرد والتساقطات الثلجية.
اترك تعليقاً