مستعد يكتب .. الصحافة بين الأفعى والسمكة

بمناسبة اليوم الوطني للإعلام، أستعير صورة للصديق جمال بوزفور في صفحته على فايسبوك. تقول الصورة البليغة المتعددة الدلالات: “أفعى شجاعة تنقذ سمكة من الغرق. هكذا تنقل وسائل الإعلام الأخبار في أيامنا هاته”. الأفعى هنا هي الصحافة وهي رمز السم والقتل. والسمكة هي رمز الخبر والخير الذي تحتاج إلى إنقاذ صارت مقتولة ومأسوفا عليه. إنها صورة تعكس إلى حد كبير وضعية الصحافة بالمغرب اليوم. صحافة الدم والجنس والكذب والحروب السياسية بالوكالة.

من جهة، نلاحظ أن البروبانغاندا صارت هي الغالبة في أخبار التلفزة. ومن جهة أخرى، يحاول فايسبوك وبعض وسائل الإعلام المهنية خرق الحصار المفروض على حق المواطن في المعلومة والتنمية.

المسؤولية عن هذا الوضع متعددة الأشكال وفيها ما هو مهني ولكنها بالدرجة الأولى مسؤولية السلطة والسياسات العمومية المتبعة. جل التقارير الوطنية والدولية تؤكد تراجع حرية الصحافة بالبلاد. وقبل أيام، احتج فرع النقابة الوطنية للصحافة المغربية في تطوان على تفاقم ظاهرة منتحلي صفة “صحفي” وتساهل الأمن والقضاء مع هذه الظاهرة. وهو ما يذكر بنقاش طرح على الفايسبوك حول قانون الصحافة الجديد أثاره بعض الزملاء المهنيين مطالبين بفتح المجال لممارسة المهنة لجميع الأشخاص بدون قيود حتى لمن لا يحمل بطاقة صحافية اقتناعا من هؤلاء المهنيين ربما بمفهوم “الصحافي المواطن”. لكنه برأيي مفهوم غامض وملتبس تطور في عصر الانترنيت والتصق بمهنة الصحافة دون غيرها بحيث لم يتبلور مفهوم الطبيب المواطن أو المحامي المواطن مثلا أو غيره. إن الصحافة مهنة ذات قواعد خاصة رغم أنها أكثر من ذلك فهي رسالة وكل التغيرات التكنولوجية الحالية التي تؤثر عليها والتي قد تكون إيجابية لا يعني المس بتلك القواعد. يقول كريستوفر مايير في كتاب “أخلاقيات الصحافة. مقاربة فلسفية” والصادر عن جامعة أكسفورد: “إن تعريفا جيدا لمهنة الصحافة يمكن أن يعطينا سببا للأمل في أن الصحافة ستبقى مهنة حتى لو تغير العالم بأشكال تبدو لنا غالبا مخيفة”. وهذا التعريف الصالح لكل أزمنة الصحافة وتطوراتها هو كتالي: أن تكون صحفيا يعني أن تنخرط في أنشطة معينة مع أدائها من خلال “الالتزام بالقيم الأساسية وأفضل الممارسات”. نظريا يمكن مناقشة الصحافة في علاقتها الفلسفية بحرية الإنسان بالمطلق. ويمكن أن تبدو فكرة حرية “المواطن الصحافي” جذابة لأن للحرية جاذبيتها إلا أن الحرية قد تكون قاتلة لها ولهذا تفرض العقلانية والبراغماتية التنظيم وتدقيق من يكتب؟ ولمن يكتب؟ ووفق أية مبادئ؟

وبالتالي كيف يمكننا اليوم في المغرب أن ننظم مهنة الصحافة إذا كان من الصعب أو عدم وجود إرادة لضبط عدد حاملي البطائق الحقيقية و المزورة؟ وكيف سيكون الأمر في حال فتحنا المجال أمام 30 مليون مغربي لممارسة الصحافة بدون بطاقة وبدون شروط؟

أعتقد أن من أفضل الأفكار التي طرحت مؤخرا في الوسط المهني تلك التي قدمها الأستاذ عبد اللطيف بنصفية الذي اقترح إطلاق جائزة تقديرية للبحث العلمي حول الصحافة تقدم على هامش الاحتفال بالجائزة الوطنية للصحافة. لأن الرقي بهذه المهنة ومساهمتها في تنمية الوطن وتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة مرتبط أشد ما يكون الارتباط بالتكوين والتربية وبتشجيع البحث العلمي. حتى تبقى الصحافة صانعة “تاريخ جماعي وفضاء مشترك” حسب تعريف جان دانييل.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك