متى نرى مطار ثريا الشاوي ؟
https://al3omk.com/492591.html

متى نرى مطار ثريا الشاوي ؟

هي أيقونة الطيران بامتياز ودون منازع، وهي فاعلة سياسية وجمعوية، كرست جهدها في دعم قضية المرأة وتحررها. وهي باقتضاب مواطنة مكافحة وناجحة، موهوبة ومحبوبة، جمع فيها من الخصال الجميلة والقيم النبيلة ما تفرق عند الكثيرين من بنات وأبناء جيلها. حلقت في السماء بشجاعة وبراعة وأبدعت في الأدب والفن على الأرض، دون أن تجد مكرمة لدى أصحاب القرار في تخليد اسمها على واجهة أحد المطارات البالغ عددها حوالي العشرين بالبلاد، عرفانا بنبوغها وحبها الكبير للوطن والملك المغفور له محمد الخامس، إنها بكل بساطة الشهيدة ثريا الشاوي.

ففي ظل ظاهرة العزوف عن القراءة وغياب برامج وأفلام ثقافية وفنية، تسلط الأضواء على أبرز الشخصيات النسائية التي أنجبتها هذه الأرض الخصبة والطيبة، فإن السواد الأعظم من شباب الجيل الجديد، تكاد معرفتهم بأشهر نساء المغرب تقتصر على بعض المطربات مثل دنيا باطما وزينة الداودية وغيرهما، وفي أحسن الأحوال التشكيلية العصامية الشعيبية طلال، والبطلة الأولمبية نوال المتوكل أول امرأة عربية وإفريقية تفوز بميدالية ذهبية في سباق 400 متر حواجز عام 1984 بلوس أنجلوس.

لكنهم يجهلون بصفة شبه مؤكدة أسماء الرائدات المغربيات اللواتي لعبن أدوارا كبيرة في صناعة تاريخ المغرب وخلدن أسماءهن بمداد من الفخر والاعتزاز، من قبيل زينب النفزاوية التي انخرطت في إرساء قواعد الدولة المرابطة، وفاطمة الفهرية التي أسست رفقة أختها مريم الفهرية جامعة القرويين في عام 829 ميلادية وهي أول جامعة في العالم، وكوثر حفيظي التي بلغت مستوى رئاسة قسم الفيزياء بأكبر المختبرات الأمريكية “أرغون”. وفاطمة المرنيسي الجامعة بين الأدب وعلم الاجتماع، والمؤلفة لمجموعة من الكتب باللغة الأنجليزية، والمترجمة إلى عدة لغات عالمية، وشخصيات أخرى كثيرة…

بيد أن التي تهمنا هنا والآن هي الراحلة ثريا الشاوي، باعتبارها شابة مغربية متفردة تمكنت من إبهار العالم أجمع، من خلال قيادة طائرة في وقت مبكر من العمر، بعد أن تجاوزت كل العراقيل التي وضعتها أمامها السلطات الاستعمارية للحيلولة دون بلوغ أمنيتها، معتبرة بكل تعال وغطرسة أن الطيران والتطور التكنولوجي حكرا على البلدان الغربية المتقدمة وليس شأنا عربيا أو إفريقيا. ويعود الفضل في تحويلها ما كان يبدو للكثيرين حلما صعب المنال إلى حقيقة ملموسة، بفعل إصرارها الشديد وقوة إرادتها ومساندة والدها في إثبات الذات والكشف عن قدراتها وتميزها، بانتزاع شهادة الكفاءة لقيادة الطائرة عام 1951 عن جدارة واستحقاق، وهي في ربيعها الخامس عشر. وهكذا صارت نموذجا مشرفا ومفخرة لكل المغاربة في زمن كان عدد قائدات الطائرة في دائرة الأوربيات والأمريكيات جد محدود. حيث تلقت التهاني من كبار الزعماء والشخصيات الوطنية والدولية من أمثال عبد الكريم الخطابي علال الفاسي والطيارة الفرنسية جاكلين أوريول والاتحاد النسوي التونسي والجزائري وحظيت باستقبال حار من طرف الملك محمد الخامس بقصره العامر…

وجدير بالذكر أن الشهيدة ثريا الشاوي رأت النور في 14 دجنبر 1936 بمدينة فاس في بيت جمعها بوالدها عبد الواحد الشاوي أحد رواد المسرح المغربي، ووالدتها زينة، وأخيها صلاح الدين الذي كان فنانا مشهورا يعيش في فرنسا. ولم تكن ثريا قائدة طائرة وحسب، بل كانت ذات مواهب متعددة، إذ كانت شغوفة بممارسة التمثيل وكتابة الشعر والقصة القصيرة، حيث نالت عدة جوائز في هذا المضمار. وشاركت خلال عام 1948 بمسقط رأسها إلى جانب والدها في فيلم “الباب السابع” لمخرجه الفرنسي أندريه زوبادا، لتحرز السبق ثانية في التمثيل السينمائي النسائي، فضلا عن أنها شاركت في تأسيس جمعية باسم ” أخوات الإحسان”، وتقلدت منصب سفيرة للقضية النسائية بمؤسسة للا أمينة لمساعدة الفتيات اليافعات ودعم تحرير النساء، ولها مواقف وطنية مشرفة في مناهضة الاستعمار والمطالبة برجوع محمد الخامس من منفاه بمدغشقر.

ومما يذكر عنها في كتاب مؤرخ المملكة الأستاذ عبد الحق المريني الصادر في 18 يونيو 2009 عن مؤسسة محمد الزرقطوني للثقافة والأبحاث بعنوان ” الشهيدة ثريا، أول طيارة بالمغرب الكبير”، الذي يعد الوثيقة الوحيدة التي تؤرخ لأهم وأدق اللحظات والتفاصيل التي ميزت حياتها، أنها استقبلت عودة المغفور له محمد الخامس من منفاه بطريقة نالت إعجاب كافة المغاربة الحاضرين، إذ حلقت بطائرتها الصغيرة في سماء الرباط بعلو منخفض فوق الموكب الملكي، وهي ترمي بمناشير وأوراق ملونة معبرة عن فرحتها العارمة، وغير مبالية بالبرد الذي يهاجم صدرها عبر النافذه، مما عرضها إلى نزلة برد حادة، نقلت على إثرها بتكفل ملكي إلى الخارج لتلقي العلاج اللازم الذي دام ستة شهور…

إننا إذ نأسف بمرارة لتصفية أيقونة العالم العربي والإسلامي في قيادة الطائرة، وهي في بداية مشوارها المتميز والحافل بالنجاحات، والتي كان سيكون لها شأن عظيم في المزيد من الإشعاع والإبداع، لولا أن يد الغدر التي أخطأت اغتيالها في أربع محاولات سابقة ما بين نونبر 1954 وشتنبر 1955، امتدت إليها من جديد وأردتها قتيلة خلال أول أيام شهر مارس 1956 في ظروف يكتنفها اللبس والغموض، عندما كانت تتهيأ مبتهجة للمشاركة في حفل استقلال البلاد، فإننا نؤاخذ بشدة تنكر السلطات المعنية لأول طيارة في تاريخ المغرب وما تشكله من رمز للتفوق، بعدم وضع اسمها على أحد مطاراته. فهل يتم تجاوز هذا “التغافل” قريبا ونرى مطار ثريا الشاوي؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.