وجهة نظر

عبقرية المتنبي والأمثال

17 ديسمبر 2020 - 14:39

منذ القرن الرابع الهجري، وشعر المتنبي يحظى باهتمام الأدباء والنقاد. ومازال الناس يكثرون من الحديث عنه ويشيدون بعبقريته الشعرية إلى حد أن ابن رشيق القيرواني قال فيه قولته الشهيرة أيامها في كتابه الشهير ” العمدة في محاسن الشعر ونقده” : ‘ جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس’. أي ملا الدنيا بشعره وتهافت الناس على ترديد وحفظ شعره . وشغل النقاد والدارسين بنقد ودراسة قصاىده. وقال فيه آخرون : ثلاثة لا ينتهي الكلام عنهم : “الثعابين والعفاريت وأبو الطيب”. على أن دارسي حياته انصب اهتمامهم على جانبين أساسين منها: الأول ما يتعلق بحياته وشخصيته. والتي اكتنفها الاضطراب والغموض بما جعلها خارجة عن النسق الدي اعتاده الناس في حياة الشعراء. فابو الطيب -الذي لم يكن طيبا في كل أحواله كأي من البشر- ولد في كوفة العراق ( سنة 303 ه 915 م وتوفي سنة354 ه 965م ) وعاش في الشام أفضل أيام حياته وأكثرها عطاء في كنف سيف الدولة الحمداني في حلب. وامضى كذلك ردحا من الزمن في مصر على عهد كافور الاخشيدي. وكان المتنبي منذ نشأته، كبير النفس،عالي الهمة طموحا إلى المجد. بل ادعى النبوة في الشام وفتن مجموعة من الناس بقوة أدبه وسحر بيانه حتى أن بعض دارسيه من مجايليه وحتى المعاصرين قالوا : إنه لو تمت الولاية له، لأراحته من حيرته وحمته من هواجسه وأحلامه، مستدلين ببيت من شعره :

واتعب خلق الله من زاد همه *** وقصر عما تشتهي النفس وجده.

والجانب الثاني من حياته الذي انصب اهتمام الباحتين عليه، يتعلق بشعر المتنبي نفسه. هذه الآلة اللغوية المبدعة التي تفتقت عنها عبقريته الفريدة، والتي أتاحت له من ذيوع وشهرة ما لم تتح لشاعر من قبله. عندما سارت أبيات شعره أمثالا مرسلة وحكما خالدات ما تزال ممتدة إلى اليوم في مختلف أرجاء العالم العربي. أي أننا ما زلنا نستخدم أبياته البليغة كأمثال، حين لم يترك موضوعا إلا وبصم فيه ببلاغته الشعرية حتى غدا اعظم شعراء العربية وأكثرهم تمكنا من لغة الضاد، واعلمهم بقواعدها ومفرداتها. فغدت له مكانة سامية لم تتح مثلها لغيره من شعراء العرب. حيث نعت بأنه نادرة زمانه وأعجوبة عصره. وظل شعره مصدر إلهام ووحي للشعراء والأدباء القدامى والمحدثين. فهو حقا شاعر حكيم واحد مفاخر الادب العربي بامتياز. أليس هو القائل لبيتين خالدين مازالا يحتلان القائمة في الاستشهاد في كل عيد ومناسبة حتى في زمن شبكات التواصل الاجتماعي هذا :

عيد باية حال عدت يا عيد ***بما مضى ام بامر فيك تجديد ؟
اما الاحبة فالبيداء دونهم *** فليت دونك بيدا دونها بيد
وهو الواصف الرائع لمصائب الدهر وافقادها للمرء شغف الحياة حين قال : :
لم يترك الدهر من قلبي ومن كبدي *** شيئا تتيمه عين ولا جيد
يا صاحبي .. أخمر في كؤوسهما ؟*** أم في كؤوسهم هم وتسهيد؟
واضاف في مناسبة اخرى في نفس الموضوع :
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ***مصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائد

وهو القائل : على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ *** وتأتي على قدر الكرام المكام

وهو القائل : ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدركُه *** تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفن

وهو القائل : لا يَسلَمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى *** حتى يُراقَ على جوانبِهِ الدَّمُ

وهو القائل : إذا أنت أكرمتَ الكريمَ ملكْتَه *** وإن أنت أكرمتَ اللئيمَ تمرَّدا

وهو القائل : أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سـرْجُ سابِح *** وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ

وهو القائل : ذو العقلِ يشقى في النعيـمِ بعقله *** وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ يَنْعَمُ

وهو القائل : فلا مجدَ في الدنيا لمن قلَّ مالُه ***ولا مالَ في الدنيا لمن قلَّ مجدُهُ

وهو القائل : خليلُكَ أنت لا مَن قلتَ خِلِّي *** وإن كثُرَ التجملُ والكلام

وهو القائل : ومِن العداوةِ ما ينالُكَ نفعُـه *** ومِن الصداقةِ ما يَضُرُّ ويُؤْلِمُ

وهو القائل : وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادةُ لي بأني فاضلُ

وهو القائل : مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهوانُ عليه *** ما لجرحٍ بمـيِّتٍ إيلامُ

وهو القائل : وإذا لم يكنْ مِن المـوتِ بـد *** فمن العجزِ أن تكون جبانـا

وهو القائل : إذا غامرتَ في شرفٍ مرُوم *** فلا تقنعْ بما دون النجـومِ
فطعمُ الموتِ في أمرٍ حقـير *** كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمِ

وهو القائل : وعَذلتُ أهلَ العشقِ حتَّى ذُقْـتُـه *** فعجِبتُ كيف يموتُ من لا يعشقُ

وهو القائل : فقرُ الجهولِ بلا قلبٍ إلى أدب *** فقرُ الحمارِ بلا رأسٍ إلى رسنِ

وهو القائل : ومرادُ النفوسِ أصغرُ من أن *** نتعادى فيه وأنا نتفـانـا

وهو القائل : وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى *** ولا الأمن إلا ما رآ الفتى أمنا

وهو القائل : وإذا كانت النفوسُ كبـارًا *** تعبت في مُرادِها الأجسام

وهو القائل : إذا اعتاد الفتى خوضَ المنايا *** فأهونُ ما يمر به الوحول

وهو القائل : فحبُّ الجبانِ النفسَ أوردَهُ التُقى *** وحبُّ الشجاعِ النفسَ أوردَهُ الحربا

وهو القائل :
أغايةُ الدينِ أن تَحفوا شواربكـم *** يا أمةً ضحكت من جهلِها الأممُ

وهو القائل عن نفسه :
وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي *** إذا قلت شِعرًا أصبح الدهرُ مُنشدا

والقائل : لا بقومي شرفتُ بل شرفوا بي *** وبنفسي فخرتُ لا بجدودي

والقائل : أنا الذي نظـرَ الأعمى إلى أدبي *** وأسـمعتْ كلماتي مَن به صممُ
فالخيــلُ والليلُ والبيداءُ تعـرفُني *** والحربُ والضربُ والقرطاسُ والقلمُ
–––– ما أبعدَ العيبَ والنقصانَ من شرفي *** أنا الثُّريــا وذانِ الشيبُ والهـرمُ

والقائل : ومِنْ جاهلٍ بي وهو يجهلُ جهلَه ***ويجهلُ علمي أنَّهُ بي جاهـلُ

والقائل : ليس التعللُ بالآمالِ من إربي *** ولا القناعةُ بالإقلالِ من شيمي
وهو القائل :

وحيد الخلان من كل بلدة *** إدا عظم المطلوب قل المساعد
وقوله :
ان بعضا من القريض هداء *** ليس شيئا وبعضه احكام
منه ما يجلب البراعة والفضل *** ومنه ما يجلب البرسام.
وقوله عندما كان يروم المعالي :
إذآ غامرت في شرف مروم *** فلا تقتنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير *** كطعم الموت في أمر عظيم
وهو القائل أيضا في البخل:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله***مخافة فقر فالذي فعل الفقر.
وهو المتنبىء بأن الناس ستنشغل بشعره بينما هو ينام مستريح البال:
أنام ملء جفوني عن شواردها *** ويسهر الخلق جراها ويخاصم.
هذا فقط غيض من فيض شعره البليغ، وليس على سبيل الحصر فالقائمة طويلة لإبداعاته القيمة…
بناء على ماسبق عرضه من أبيات خالدات لأبي الطيب، يثبت بما لا يدع للشك عبقريته الفريدة وانفراده بعرش الحكمة الشعرية حتى وان مضى عليه ما يقرب من ألفية ونيف من الزمن. وهو ما يفسر أن معظم هذه الأشعار سارت مسرى الأمثال وعلى ألسنة الناس وبقي اسمه في ذاكرة كل الأجيال.

المرجع الأساسي : كتاب : تاريخ الأدب العربي تأليف حنا الفاخوري
كتاب : ديوان المتنبي
كتاب : مع المتنبي لطه حسين

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

محامي وخبير قانوني وجهة نظر

صبري: اتهام المغرب بالتجسس هدفه نزع شرعية عمل أجهزته الأمنية والقضاء لا يكفي

وجهة نظر

في مقاربة البرامج الصيفية للجمعيات

وجهة نظر

العدالة والتنمية بين الكولسة والكولسة المضادة

تابعنا على