الذكرى 69 على وفات رسول السلام خلال القرن العشرين

الذكرى 69 على وفات رسول السلام خلال القرن العشرين

30 يناير 2017 - 02:22

يعتبر المهاتما غاندي من بين الشخصيات التي زينت تاريخ البشرية، ترك سيرة فريدة و متميزة يستفيد منها كل إنسان باختلاف أيدولوجيته لأنها تعطي صورة لأنسان عاش حياة بسيطة بث من خلالها قيم المحبة و التسامح و التعاون و التضامن و نصرة الضعيف و الوقوف أمام كل أشكال الظلم و التمييز العنصري و الطبقي و نضاله مع العمال و الفلاحين من أجل تسوية أوضاعهم و انتزاع حقوقهم.

ولد موها نداس كارمشند غانديفي الثاني من أكتوبر سنة 1869م في بلدة بورباندار على الساحل الغربي للهند، لأسرة متوسطة الحال تنتمي إلى طبقة ال "فيشيا"، التي تعمل في التجارة و الصناعة، وهي الطبقة الثالثة في الترتيب الطبقي الاجتماعي في الهند، بعد "البراهما" و "الكشاتريا". في عام 1876م دخل غاندي مدرسةراجكوت ثم انتقل إلى المدرسة الثانوية عام 1881م، وتخرج منها عام 1887م. وأثناء دراسته المرحلة الثانوية تزوج غاندي وعمره آنذاك الثالثة عشرة سنة بزوجته-رفيقة دربه-كاستورباي و التي كانت في نفس عمره تقريبا، ورزق منها بأربعة أطفال.

سافر بعد ذلك إلى بريطانيا لدراسة القانون وبعد عودته إلى الهند عام 1891م مارس المحاماة في راجكوت ولما لم ينجح نجاحا لم يذكر،فإنه توجه إلى جنوب أفريقيا ليعمل محاميا لدى أحد الشركات، وعند وصوله إلى جوهانسبورجلاحظ غاندي أن الهنود لم يكونوا موضع احترام كبير. بل إن غاندي نفسه تعرض لبعض المضايقات بسبب كونه هنديا ملونا و بالأخص عند استخدامه السكك الحديدية في السفر و التنقل و الترحال. وغير ذلك من المعاملات التي تنتقص من قيمته و كرامته بوصفه إنسانا أولا وأخيرا، وبقي في جنوب أفريقيا إحدى وعشرين سنةصرفها كلها في الدفاع عن حقوق الهنود. يذكر بأن غاندي في عام 1904م أصدر صحيفة أسبوعية أسماها "الرأي الهندي" وعلى صفحاتها كان يشرح مبادئ "الساتياغراها"، أو "الساتياغراهي"، حيث الحق و المقاومة بطريق اللاعنف، أو بتعبير آخر " القوة المنبعثة من الحق ومن المحبة" وهي كذلك تعني "الحركة المنزهة عن كل عنف".

بدأ كفاحه الوطني ضد الاستعمار البريطاني في عام 1914م وبعد سنة أنشأ المهاتما مؤسسة "أشرام" الاجتماعية لمساعدة المنبوذين وإيوائهم وقاد مظاهرات وشن حملة واسعة على القوانين التي يصدرها المستعمر التي تقيد الحريات المدنية و من بينها قانون "رولات" ودعا الشعب الهندي إلى التظاهر السلمي و ترك اللجوء للعنف. رغم أن الاحتلالالبريطاني استعمل سياسة العنف في تفريق المتظاهرين حيث تم إطلاق الرصاص عليهم فأسفر عن هذا الحادث مقتل 400 شخص و جرح أكثر من 2000 من المدنيين الهنود،فهذه المجزرة قد زادت من تصميم غاندي على مواجهة المحتلين بالمزيد من الوسائل السلمية، اللاعنفية، فأعلن عام 1920م اعتماد سياسة الساتياغراها وهي تعني سياسة اللاعنف في مقاومة الاحتلال ولخص معالم هذه السياسة في النقاط التالية:

- ترك التعاون مع سلطات الاحتلال في إدارتها واستغلالها للبلاد.
- رفض الألقاب و المناصب التي تخلعها بريطانيا على الهنود.
- مقاطعة شاملة للبضائع البريطانية.
- مقاطعة الخدمة العسكرية و ترك دفع الضرائب و مقاطعة المحاكم البريطانية.

ومن بين المواقف التي تميز و تفرد بها غاندي نذكر منها:

رفضهللغش، يغفر لضاربه، يقوم بالصلح بين المختصمين، يعتمد على نفسه، يحب كل الناس، يطهر نفسه أولا، يرفض الهدايا، ينظف دورات المياه، يهتم بأحوال الفلاحين، متواضع ومقاوم للفروق الطبقية، البساطة و الحكمة، أمانة الوسيلة، التزام الحقيقة، التوفير، التربية و النظافة و حفظ الصحة، قيمة الوقت، اللاعنف، احترام الرأي الآخر، عقيدة الصوم، تغيير العادات الاجتماعية، زواج الأرامل، نهضة النساء، عدم المبالغة، ينشر الحق، الاندماج بين المواطنين، حرية حق العبادة، الوحدة الوطنية، مقاطعة الأقمشة الأجنبية، اهتمامه بالغزل اليدوي، يأكل ليعيش لا يعيش ليأكل، المال وسيلة لا غاية، الخدمة العامة، طلب الحرية...

استمر كفاحه لمدة ثلاثة وثلاثين سنة حتى نالت الهند استقلالها سنة 1947م، لكن غاندي حزن كثيرا بسبب تقسيم الهند إل دولتين مستقلتين هما: الهند وباكستان. وقد أصر على رفض التقسيم ورفض المشاركة في احتفالات الهند الاستقلال، وانسحب من ميدان العمل السياسي وانصرف إلى عبادته.

فهو الزعيم الروحي للشعب الهندي و قائد نضاله التحرري ضد الاستعمار البريطاني، كما يعتبر أحد كبار القادة السياسيين في العالم خلال القرن العشرين.

يقول غاندي في ختام مذكراته تحت عنوان " في سبيل الحق أو قصة حياتي":

إن لتجاربي قدرا كبيرا في حياتي، وإن كنت لا أدري هل استطعت أن اوفيها حقها من العرض السليم، وكل ما أستطيعأن أقوله هو إنني لم أدخر لكي أروي قصة حياتي بصدق وأمانة. لقد كان جهدي كله متجها إلى تقصي الحق كما تجلى لي، فكان ذلك معينا لا ينضب من المدد الروحي الذي بعث إلى نفسي الاستقرار و السكينة و أوحى إلى عقلي بالهدوء و السلام، فإن أعظم امنية لي من رواية تجاربي هي أن يكون فيها ما يعيد الإيمان بالحق وبالمحبة لمن كان مترددا أو كان في قلبه زيغ.

فلقد أقنعتني تجاربي في مختلف نواحي الحياة بأنه ما من إله غير الحق. وإذا كان في صفحات هذه الفصول ما لا يوحي إلى القارئ بأن الطريق الوحيد للوصول إلى الحق هو طريق المحبة، فلا مناص لي من أن أعتبر أن كل ما بذلته من جهد في تصنيف هذه الفصول قد ضاع هباء منثورا، وحتى إذا كانت جهودي في هذا السبيل لم تثمر، ولم تؤت أكلها، فرجائي إلى القارئ أن يذكر أن الخطأ في ذلك إنما هو في طريقة العرض، لا في المبدأ نفسه. على أن جهودي في سبيل نشر المحبة مهما كانت خالصة مخلصة فهي بالضرورة غير كافية وغير مبرأة من كل شائبة. فاللمحات السريعة التي استطعت فيها أن أتبين الحق لا تمكن أن تعطي صورة كاملة عن نور الحق المتلألئ الذي يسمو في إشعاعه على نور الشمس الساطعة، الذي نراه بأعيننا كل يوم، ملايين المرات. بل الواقع أن ما رأيته من ذلك النور ليس إلا بصيصا خافتا من نور الحق المشرق، ولكن شيئا واحدا مع ذلك أستطيع أن أقوله بثقة و يقين بعد كل تجاربي، وهو انه لا سبيل إلى رؤية الحق إلا بعد السمو إلى أقصى المراتب في محبة الكائنات جميعا.

نعم، فلكي نستطيع أن نشاهد روح الحق التي تسود الكون و تتخلل كل جنب من جنباته و نلقاها وجها لوجه يجب أن نتعلم كيف نحب أدنى المخلوقات وأقلها شأنا كما نحب أنفسا، و الرجل الذي يطمع في ذلك يستطيع مع ذلك أن ينأى بنفسه عن اي ميدان من ميادين الحياة، وهذا هو السبب في أن إخلاصي للحق قد جذبني إلى ميدان السياسة. وإني لأستطيع أن أقول من غير تردد على الإطلاق، ولكن بتواضع كبير، إن من يقولون بأن الدين لا شأن له له بالسياسة لا يعرفون كنه الدين.

وكذلك لن يستطيع المرء أن يتعرف على كل شيء حي إلا إذا طهر نفسه من أدرانها. فمن غير أن يطهر الإنسان نفسه ستبقى كل طاعة لقانون المحبة حلما غامضا وسرابا يخدع الناظرين، والله تعالى لن يتجلى لمن كان قلبه أعمى، لذلك كان تطهير النفس معناه تخليصها من جميع أدرانها فيكل ناحية من نواحي الحياة. ولما كان تطهير النفس ينتقل بالعدوى كان تطهير الإنسان لنفسه باعثا على تطهير البيئة التي يعيش فيها.

غير أن طريق شاق شديد الانحدار، ولكي يصل الإنسان إلى أكمل درجات الطهر يجب أن يتخلص في تفكيره، وفي حديثه، وفي فعله، من كل أثر للشهوات، وأن يرقى بنفسه فوق مستويات التذبذب بين الحب و الكراهية، بين الوصل و البعد. وإني لأدرك أنني لم أصل بعد إلى الطهر المنشود في هذه النواحيالثلاث، على الرغم من جهودي التي لا تنقطع في سبيل ذلك، ولهذا كان إطناب العالم كله لا يهزني أو يحركني، بل إني كثيرا ما أحس بوخزه.

وإن قهر الشهوات الكامنة في النفس لهو أشق بكثير من قهر العالم بحد السيف، وقد أحسست منذ عودتي إلى الهند بأثر هذه الشهوات التي ترقد في كوامن النفس و تختفي في أعماقها، فكان إحساسي بذلك يشعرني بالذلة و الهوان وإن لم يشعرني بالهزيمة.
ومع ان تجاربي كانت تشد من أزري وتبعث في نفسي سرورا عظيما، فإني أعلم مع ذلك.

علم اليقين أن الطريق أمامي لا يزال طويلا ووعرا، وأن علي أن أُقص من قدر نفسي وأن أتضاءل حتى أكون صفرا، فإنه لا سبيل إلى خلاص المرء إلا إذا اتخذ مكانه طائعا مختارا في نهاية الصف بين زملائه في البشرية. ذلك أن المحبة و التعفف عن العنف و الكراهية هما أعلى مراتب التواضع.

وإني إذ أودع القارئ الآن، على الأقل مؤقتا، أرجو منه أن يشاركني في الدعاء إلى الإله الحق أن يسبغ عليَّ نعمة المحبة في تفكيري، وحديثي، وفعلي.

ـــــــــــــ

المراجع:
-كتاب "غاندي رسالة اللاعنف و التسامح" للكتاب رامي عطا صديق(تقديم : فايز فرح).
-كتاب مهاتما غاندي سيرة ذاتية-نشرها مستر اندروز ( ترجمة: اسماعيل مظهر- تحرير و تقديم: د.أحمد الهوارى)

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

ربيع العالم القروي.. نهضة الشباب الممكنة

عدم استقرار المسؤولين بقطاعات عمومية حيوية بواد نون يؤثر في استمرارية المرفق وتجويد خدماته

إشكالية اغتصاب الأطفال بالمغرب

تابعنا على