الهوية المغربية: قوة السبيكة

اختار دستور 2011 لوصف الهوية المغربية لفظاً من لغة المعادن: الانصهار. تقول الديباجة إن انصهار المكونات العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية يوحد الهوية الوطنية، وإن الروافد الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية تغنيها. الانصهار في أصله صهر: يذوب النحاس مع القصدير، ويخرج البرونز بصلابة غابت عن المعدنين وهما منفصلان. تجمع السبيكة عناصرها وتبقي لها طبيعتها المعدنية، على خلاف الملح الذي يفقد شكله في الماء. هذه السبيكة معطى تتلقاه الجماعة، والاعتزاز موقفها منه: إقرار بأنها سبيكتها وعزم على صونها.
القوة المقصودة قدرة الجماعة على احتمال الصدمات والبقاء على ذاتها وإسماع صوتها بين الأمم؛ تتجه إلى الداخل تماسكاً، وإلى الزمن استمراراً، وإلى الخارج حضوراً.
في الداخل تختبر الصدمات تماسك الجماعة. جعل ابن خلدون العصبية مفتاحاً لفهم صعود الجماعات وصمودها وسقوطها، وأسندها إلى النسب وما يحل محله من حلف وولاء. جماعة ترى مصيرها واحداً تتقاسم الصدمة، وتتوزع كلفة الأزمة على أفرادها. الاعتزاز بالهوية يعمل اليوم عمل العصبية الخلدونية، وقد انتقل الرابط فيه من الدم إلى ما سماه إرنست رينان في محاضرته «ما الأمة؟» (1882) ذاكرة مشتركة وإرادة عيش معاً، واستفتاءً يومياً يتجدد. هذا الاستفتاء وجد صناديقه في زلزال الحوز (سبتمبر 2023): قوافل مساعدات من مدن بعيدة، وتبرع بالدم، وبيوت فتحت أبوابها للمتضررين. قد يعزو بعضهم هذا التضامن إلى التدين الشعبي وثقافة التكافل. غير أن التكافل الموروث يعمل عادة في دائرة القرابة والجوار، وقد بلغت المساعدات قرى جبلية لا يعرف كثير ممن أرسلها أهلها. اتساع الدائرة إلى هذا الحد صنيع الانتماء المشترك.
يجد التماسك في المكان سنده في الاستمرار عبر الزمن. تعود الذاكرة السياسية للدولة المغربية إلى الأدارسة الذين أسسوا دولتهم سنة 788، وتعاقبت بعدهم سلالات غيرت الحكام وأبقت الإطار: المرابطون والموحدون والمرينيون والوطاسيون والسعديون والعلويون. ظل المغرب خارج الحكم العثماني، وبقي السلطان في عهد الحماية (1912-1956) رأساً للدولة من الناحية الرسمية، وعاد البلد إلى الاستقلال بإطاره السياسي القديم. ترك هذا المسار الطويل، بانقساماته وضغوطه الخارجية، رصيداً نفسياً: ثقة بأن الأزمات عابرة والجذر راسخ.
الحضور في الخارج يسير في اتجاهين: اعتراف يأتي من الآخرين، وصلة يمدها المغاربة المقيمون هناك. أدرجت اليونسكو في قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي الفضاء الثقافي لساحة جامع الفنا (2008) وممارسات شجرة الأركان (2014) وموسيقى كناوة (2019). يشتغل هذا المخزون قوةً ناعمة: ثقافة تجتذب الآخرين وتمنح البلد صوتاً مسموعاً دون إكراه. جاليات المغاربة بالخارج، وهي بالملايين، تبقي صلتها ببلدها حية عبر التحويلات والعودة الصيفية. اعتراف الآخرين يغذي بدوره اعتزاز أهل البيت بما يملكون.
الاعتزاز عاطفة، وتحولها إلى قوة يحتاج إلى أربعة شروط، والروافد المتعددة تضع في الصدارة شرط الانفتاح. شبه الحسن الثاني في كتابه «التحدي» (1976) المغرب بشجرة جذورها المغذية غائرة في التراب الإفريقي وأوراقها تتنفس نسيماً أوروبياً. الدستور سمى الروافد، والوقائع تؤيده: قوافل سجلماسة نحو الساحل، وضريح الشيخ أحمد التيجاني بفاس الذي يقصده أتباع الطريقة من السنغال وغرب إفريقيا، والإرث الأندلسي في عمران فاس وتطوان وموسيقى الآلة، وأحياء الملاح التي حفظت ذاكرة اليهود المغاربة.
الهوية المنغلقة تتصلب حتى تفقد مرونتها، والمعدن الذي فقد مرونته ينكسر عند صدمة قوية. رأى أمين معلوف في «الهويات القاتلة» (1998) أن الهوية تتألف من انتماءات متعددة، وأن حصرها في انتماء واحد يدفع صاحبها إلى التعصب، وقد يجعله قاتلاً أو نصيراً للقتلة. للفظ الانصهار وجه ثان يدعو إلى الحذر: انصهار يسوي بين المكونات حتى تتشابه يفقد الهوية ثراءها، ولذلك سمى الدستور المكونات واحداً واحداً.
التسمية اعتراف، وقيمة الاعتراف في ما يترجمه من سياسات. رأى تشارلز تيلور في مقاله «سياسة الاعتراف» (1992) أن إنكار الاعتراف بجماعة أو تشويهه قد يلحق بها أذى، ويبلغ حد القمع، ويحبس أصحابها في صورة تشوه ملامحهم. أقر الفصل الخامس من الدستور الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، وتعهد بصيانة الحسانية، وصدر القانون التنظيمي 26.16 سنة 2019 لتحديد مراحل التفعيل، وقرر الملك سنة 2023 جعل رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية بأجر. بعد النص، يحتاج الاعتراف إلى مدرسة وإعلام وإدارة تنقله إلى الحياة اليومية. موقع المكون الصحراوي الحساني في المدرسة والإعلام سؤال يبقى مفتوحاً: هل يخرج من المناسبات الرسمية والفولكلور؟
إلى جانب الاعتراف باللغة والثقافة، ينتظر المواطن اعترافاً يلمسه في يومه: مدرسة منصفة وصحة في المتناول وفرصة للشباب. الجماعة التي تطلب الوفاء من أبنائها تدين لهم بالإنصاف. إذا غاب الإنصاف، بدا الاعتزاز خطاباً ينزل على المواطن من علٍ، وشعاراً يصل إلى الشاب القروي وابن الهامش الحضري بأيدٍ فارغة.
مطالبة المواطن بالإنصاف تفترض حرية السؤال. الهوية الحية تتسع للجدل حول ذاتها، وتحتمل أن يسأل أبناؤها عن سبل صونها وعما تحتاج إليه. إذا لجأ أصحاب القرار إلى خطاب الهوية لإسكات النقد الاجتماعي، تحول الخطاب حجاباً بعد أن كان رافعة، وانقلب الاعتزاز تهمة تلاحق من يسأل عن الأسعار والأجور.
الاعتزاز رأسمال معنوي يضاعف أثر السياسات الناجحة، وتبقى التنمية رهينة بمؤسسات ورأسمال مادي. قد يرى بعضهم في التمسك بالهوية عبئاً على الحداثة. غير أن الهوية المنفتحة العادلة الحرة تفتح للتحديث بابه وتمنحه جذراً.
الاختبار الراهن رقمي: منصات عالمية تروج نمط عيش موحداً، وأجيال جديدة تدخلها وتعيد صياغة الانتماء بلغتها، فأغان بالدارجة والأمازيغية تعبر الحدود، وأزياء تقليدية تعود إلى الشارع بقصات معاصرة. الامتحان في ما يختاره الشاب: موروثاً يذوب في المنصة، أو إبداعاً يدخلها بلهجته.
الانصهار الذي سماه الدستور اسم لعملية مفتوحة. يصب الصائغ السبيكة مرة واحدة، وتصوغ الأجيال الهوية من جديد، والشاب الذي يغني بالدارجة أو الأمازيغية على منصة عالمية يشارك في الاستفتاء اليومي الذي تحدث عنه رينان. معيار القوة واحد: أن يجد هذا الشاب في الهوية مكاناً يتسع لصوته.
اترك تعليقاً