الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة: نحو نموذج جديد للحكامة الترابية والتنمية الاستثمارية بالأقاليم الجنوبية

لم يعد النقاش حول قضية الصحراء المغربية محصورا في أبعادها السياسية والدبلوماسية، بل أصبح يطرح، بشكل متزايد، أسئلة عميقة تتعلق بمستقبل التنظيم الترابي للدولة، وطبيعة العلاقة بين المركز والجهات، وحدود نقل الاختصاصات، وآليات تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المستوى الترابي. وفي هذا السياق، تبرز مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 باعتبارها مدخلا سياسيا ومؤسساتيا يفتح المجال أمام التفكير في نموذج متقدم للتدبير المحلي، يقوم على توسيع صلاحيات المؤسسات الجهوية وتعزيز مشاركتها في تدبير الشأن العام، في إطار الوحدة الوطنية والسيادة المغربية.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية إضافية في ظل التطورات التي عرفها الملف على المستوى الأممي، ولاسيما القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي جعل المبادرة المغربية أساسا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول، مع الإشارة إلى أن حكما ذاتيا حقيقيا يمكن أن يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق. كما أن التطورات اللاحقة خلال سنة 2026، وما رافقها من نقاشات ومفاوضات حول التصور المؤسساتي للحكم الذاتي، أعادت إلى الواجهة أهمية الانتقال من التصورات السياسية العامة إلى البحث في الضمانات القانونية والمؤسساتية والمالية الكفيلة بتفعيل هذا النموذج.
غير أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن فقط في بعدها التفاوضي، وإنما أيضا في ما تتيحه من فرصة لإعادة التفكير في النموذج المغربي للجهوية، ومدى قدرته على استيعاب صيغ أكثر تقدما في التدبير الترابي.
أولا: الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة “تقاطع في الرؤية واختلاف في الإطار القانوني
إن استحضار العلاقة بين الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة يقتضي التمييز بين نظامين مؤسساتيين، وإن كانا يلتقيان في عدد من المبادئ، من قبيل التدبير الحر، وتوسيع الاختصاصات، والمشاركة الديمقراطية، والتدبير القريب من المواطنين.
فالدستور المغربي لسنة 2011 كرس الجهوية المتقدمة باعتبارها خيارا استراتيجيا لتنظيم الدولة، حيث نص الفصل الأول على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة، كما أقر الفصل 136 مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن ومشاركة السكان في تدبير شؤونهم، فيما حدد الفصل 140 الاختصاصات الذاتية والمشتركة والمنقولة للجماعات الترابية.
وفي السياق ذاته، جاء القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات ليؤسس لإطار قانوني ومؤسساتي يروم تمكين الجهة من الاضطلاع بأدوارها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإعداد برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، فضلا عن ممارسة اختصاصاتها الذاتية والمشتركة والمنقولة.
أما مبادرة الحكم الذاتي، فتتجه إلى إرساء نظام مؤسساتي خاص بالجهة المعنية، يقوم، وفق التصور المغربي، على هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية جهوية، مع منحها صلاحيات واسعة في مجالات التنمية الاقتصادية والتخطيط الترابي والاستثمار والبنيات التحتية والتعليم والصحة والثقافة والبيئة، إلى جانب موارد مالية تتيح لها ممارسة اختصاصاتها.
وبالتالي، فإن نقطة الالتقاء بين المشروعين تتمثل في الرهان على نقل مركز الثقل في تدبير الشأن الترابي من التدبير المركزي المباشر إلى تدبير جهوي أكثر استقلالية وفعالية، مع ضرورة التأكيد على أن الحكم الذاتي، باعتباره نظاما خاصا، لا يمكن اختزاله قانونيا في مجرد تطبيق للجهوية المتقدمة، كما لا يمكن اعتبار مقتضيات المبادرة قد أصبحت نافذة قبل استكمال المسار السياسي والقانوني المتعلق بها.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الحكم الذاتي باعتباره فرصة لتطوير التفكير المؤسساتي المغربي في اتجاه تعميق اللامركزية، وإعادة تحديد العلاقة بين الدولة والجهات، والانتقال من مجرد نقل بعض الاختصاصات الإدارية إلى تمكين المؤسسات الترابية من صلاحيات فعلية في اتخاذ القرار وصناعة التنمية.
ثانيا: الاستثمار بالأقاليم الجنوبية “من منطق التأهيل المجالي إلى بناء أقطاب اقتصادية منتجة”
لا يمكن تصور نجاح أي نموذج متقدم للحكم الذاتي دون توفير قاعدة اقتصادية قادرة على ضمان استدامته المالية والمؤسساتية. فالممارسة الفعلية للاختصاصات لا تتوقف عند حدود النصوص القانونية، بل ترتبط بتوفر الموارد المالية والبشرية، وبوجود اقتصاد ترابي منتج قادر على خلق الثروة ومناصب الشغل.
وفي هذا الإطار، شكل إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية سنة 2015 محطة أساسية في مسار التنمية الترابية، برصد غلاف مالي إجمالي يقدر بحوالي 87.5 مليار درهم، وفق مقاربة مندمجة شملت أربعة محاور أساسية: الاقتصاد، والبنيات التحتية، والتنمية البشرية، والحكامة.
وقد تجسدت هذه الدينامية في عدد من المشاريع المهيكلة، من بينها الطريق السريع تيزنيت–الداخلة، وميناء الداخلة الأطلسي، ومشاريع الطاقات المتجددة، وتطوير البنيات المرتبطة بالصيد البحري، فضلا عن مشاريع تحلية مياه البحر والتجهيزات الاجتماعية والاقتصادية. وهي مشاريع لا تقتصر أهميتها على تحسين البنية التحتية، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للأقاليم الجنوبية وربطها بالأسواق الوطنية والإفريقية والدولية.
كما أن التحولات التي عرفتها هذه الأقاليم في مجالات الاستثمار والصناعة والخدمات والسياحة والاقتصاد البحري تطرح ضرورة الانتقال من سياسة الاستثمار العمومي باعتباره محركا أساسيا للتنمية، إلى نموذج يقوم على التكامل بين الاستثمار العمومي والخاص، وتعزيز المقاولة المحلية، وتطوير سلاسل الإنتاج والقيمة، وربط المشاريع الكبرى بالنسيج الاقتصادي المحلي.
ومن ثم، فإن الرهان المستقبلي لا ينبغي أن يقتصر على استقطاب الاستثمارات الكبرى، بل يتعين أن يشمل ضمان انعكاسها المباشر على الساكنة، من خلال خلق فرص الشغل، وتطوير الكفاءات، وتعزيز العدالة المجالية، وإدماج المقاولات الصغرى والمتوسطة في الدينامية الاقتصادية.
وفي هذا الصدد، يكتسي الميثاق الجديد للاستثمار أهمية خاصة، باعتباره إطارا لتحفيز الاستثمار المنتج وتوجيهه نحو المجالات الترابية التي تحتاج إلى تعزيز جاذبيتها الاقتصادية، بما يسمح بربط الحوافز الاستثمارية بالأثر الاجتماعي والمجالي للمشاريع.
ثالثا: نحو جهوية قائمة على النجاعة المؤسساتية والعدالة المجالية
إن الانتقال من منطق الجهوية المتقدمة إلى آفاق مؤسساتية أوسع يقتضي معالجة عدد من الإشكالات التي لا ترتبط بالضرورة بغياب النصوص القانونية، بقدر ما ترتبط بمدى قدرة المؤسسات على تفعيل الاختصاصات الممنوحة لها.
فمن أبرز التحديات المطروحة ضعف الالتقائية بين البرامج القطاعية والبرامج الترابية، ومحدودية الموارد الذاتية لبعض الجهات، فضلا عن الحاجة إلى تطوير الكفاءات الإدارية والتقنية وتعزيز آليات التقييم والمساءلة وربط المسؤولية بالنتائج.
وعليه، فإن أي تصور متقدم للتدبير الذاتي للشؤون الترابية ينبغي أن يقوم على وضوح توزيع الاختصاصات بين الدولة والمؤسسات الجهوية، وإرساء آليات فعالة لتسوية التداخلات المحتملة، وضمان الاستقلالية المالية في حدود الاختصاصات المقررة، مع الحفاظ على التضامن الوطني والتوازن بين مختلف المجالات الترابية.
كما أن نجاح هذا النموذج يظل رهينا بوجود مؤسسات منتخبة ذات شرعية ديمقراطية، قادرة على إعداد وتنفيذ السياسات العمومية الترابية، في ظل إدارة جهوية مؤهلة، ورقابة قانونية ومالية تضمن حسن تدبير الموارد العمومية.
وعليه، أصبح من الضروري الانتقال من تصور الجهة باعتبارها مجرد مستوى إداري لتفعيل وتنزيل السياسات العمومية، إلى اعتبارها فاعلا مؤسساتيا واقتصاديا محوريا، يمتلك القدرة على بلورة اختياراته التنموية، وتعبئة موارده وإمكاناته، وتثمين مؤهلاته الترابية بما يعزز جاذبيته الاستثمارية ويدعم مسارات التنمية المستدامة.
تأسيسا على ما سبق، فإن العلاقة بين الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة تفتح النقاش حول مستقبل الدولة المغربية في تدبير مجالها الترابي، وحول إمكانية تطوير نموذج مؤسساتي أكثر قدرة على الجمع بين وحدة الدولة وتنوع المجالات الترابية، وبين مركزية الاختيارات الاستراتيجية ولا مركزية التنفيذ واتخاذ القرار.
وبقدر ما تفتح المبادرة المغربية للحكم الذاتي آفاقا سياسية ومؤسساتية خاصة بالأقاليم الجنوبية للمملكة، فإن ورش الجهوية المتقدمة يوفر إطارا دستوريا وقانونيا قائما يمكن استثماره وتطويره من أجل الارتقاء بالحكامة الترابية وتعزيز أدوار الجهات على المستوى الوطني. غير أن جوهر هذا الرهان لا يرتبط بمجرد توسيع الاختصاصات الجهوية على المستوى الشكلي، بقدر ما يتطلب إرساء ممارسة فعلية لهذه الاختصاصات، من خلال تمكين الجهات من الموارد المالية والبشرية اللازمة، وتعزيز قدراتها التدبيرية والمؤسساتية، وربط تدخلاتها بدينامية استثمارية منتجة قادرة على تثمين المؤهلات الترابية، وخلق الثروة، وتوفير فرص الشغل، وتحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة».
فالتحدي الأساسي أمام النموذج المغربي لا يتمثل فقط في بناء مؤسسات ترابية أكثر اتساعا في اختصاصاتها، بل في جعل هذه المؤسسات قادرة على إنتاج التنمية وتحقيق العدالة المجالية والاستجابة لانتظارات المواطنين. ومن ثم، فإن الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة يمكن أن يشكلا، كل في إطاره القانوني والمؤسساتي، مدخلا لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجال، على أساس الحكامة والنجاعة والتضامن والتنمية.

اترك تعليقاً